السيد الطباطبائي
117
تفسير الميزان
يضيف إليها الميسر والأنصاب والأزلام . وقد تقدم في قوله تعالى : " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " ( البقرة : 219 ) ، في الجزء الأول ، وفي قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " ( النساء : 43 ) في الجزء الرابع من هذا الكتاب أن هاتين الآيتين مع قوله تعالى : " قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم " ( الأعراف : 33 ) ، وهذه الآية المبحوث عنها : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه - إلى قوله - فهل أنتم منتهون " إذا انضم بعضها إلى بعض دلت سياقاتها المختلفة على تدرج الشارع في تحريم الخمر . لكن لا بمعنى السلوك التدريجي في تحريمها من تنزيه وإعافة إلى كراهية إلى تحريم صريح حتى ينتج معنى النسخ ، أو من إبهام في البيان إلى ايضاح أو كناية خفية إلى تصريح لمصلحة السياسة الدينية في إجراء الأحكام الشرعية فإن قوله تعالى : " والاثم " آية مكية في سورة الأعراف إذا انضم إلى قوله تعالى : " قل فيهما إثم كبير " وهى آية مدنية واقعة في سورة البقرة أول سورة مفصلة نزلت بعد الهجرة أنتج ذلك حرمة الخمر إنتاجا صريحا لا يدع عذرا لمعتذر ، ولا مجالا لمتأول . بل بمعنى أن الآيات تدرجت في النهى عنها بالتحريم على وجه عام وذلك قوله تعالى : " والاثم " ثم بالتحريم الخاص في صورة النصيحة وذلك قوله : " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " ، وقوله : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا إلى سكر النوم ، ثم بالتحريم الخاص بالتشديد البالغ الذي يدل عليه قوله : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس - إلى قوله - فهل أنتم منتهون " الآيتان . فهذه الآيات آخر ما نزل في تحريم الخمر يدل على ذلك أقسام التأكيد المودعة فيها من " إنما " والتسمية بالرجس ، ونسبته إلى عمل الشيطان ، والامر الصريح بالاجتناب ، وتوقع الفلاح فيه ، وبيان المفاسد التي تترتب على شربها ، والاستفهام عن الانتهاء ، ثم الامر بطاعة الله ورسوله والتحذير عن المخالفة ، والاستغناء عنهم لو خالفوا .