السيد الطباطبائي
101
تفسير الميزان
ذاته وإلا لهدده بالتحديد وقهره بالتقدير ، فهو المحيط بكل شئ ، المهيمن على كل أمر ، ولا يلحقه صفة تمتاز ذاته ، فإن في ذلك بطلان أزليته وعدم محدودية . وأن صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحد يدفع الغير أو يدفعه الغير كما أن العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوما ومصداقا ، ولا تدافع بينهما فيه تعالى ، بل الصفة عين الصفة وعين كل صفة من صفاته العليا ، والاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى . بل إن هنا لك ما هو ألطف معنى وأبعد غورا من ذلك وهو أن هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكائيل يوزن ويكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي ، فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض ، واستمددنا من أحدها للاخر ، لا يغترف بأوعيتها إلا ما يقاربها في الحد ، فإذا فرضنا أمرا غير محدود ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلا المحدود وهو غيره ، وكلما زدنا في الامعان في نيله زاد تعاليا وابتعادا . فمفهوم العلم مثلا هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعده كمالا لما يوجد له ، وفى هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلا ، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا : : علم لا كالعلوم فهب أنه يخلص من بعض التحديد لكنه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه ( ولكل مفهوم وراء يقصر عن شموله ) وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدى إلى بطلان خاصة المفهومية ، وهو ظاهر . وهذا هو الذي يحير الانسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبه وعقله ، وهو المستفاد من قوله عليه السلام : " لا تحده الصفات " ومن قوله فيما تقدم من خطبته المنقولة : " وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه " وقوله أيضا في تلك الخطبة : " الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود " وأنت ترى أنه عليه السلام يثبت الصفة في عين أنه ينفيها أو ينفى حدها ، ومن المعلوم أن إثباتها هي لا تنفك عن الحد فنفى الحد عنها إسقاط لها بعد إقامتها ، ويؤول إلى أن إثبات شئ من صفات الكمال فيه لا ينفى ما وراءها فتتحد الصفات بعضها مع بعض ثم تتحد مع الذات ولا حد ، ثم لا ينفى ما وراءها مما لا مفهوم لنا نحكي عنه ، ولا إدراك لنا يتعلق به فافهم ذلك .