السيد الطباطبائي

255

تفسير الميزان

قوله ترثوا والتقدير ولا أن تعضلوهن وإما نهى معطوف على قوله لا يحل لكم لكونه في معنى النهى والعضل هو المنع والتضييق والتشديد والفاحشة الطريقة الشنيعة كثر استعمالها في الزنا والمبينة المتبينة وقد نقل عن سيبويه أن أبان واستبان وبين وتبين بمعنى واحد تتعدى ولا تتعدى يقال أبان الشئ واستبان وبين وتبين ويقال أبنت الشئ واستبنته وبينته وتبينته والآية تنهى عن التضييق عليهن بشئ من وجوه التضييق ليضطررن إلى بذل شئ من الصداق لفك عقدة النكاح والتخلص من ضيق العيشة فالتضييق بهذا القصد محرم على الزوج إلا أن يأتي الزوجة بفاحشة مبينة فله حينئذ أن يعضلها ويضيق عليها لتفارقه بالبذل والآية لا تنافى الآية الأخرى في باب البذل ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به : البقرة - 229 وإنما هو التخصيص تخصص هذه الآية آية البقرة بصورة إتيان الفاحشة وأما البذل الذي في آية البقرة فإنما هو واقع على تراض منهما فلا تخصص بها هذه الآية . قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف إلى آخر الآية المعروف هو الامر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه ويجهلوه وحيث قيد به الامر بالمعاشرة كان المعنى الامر بمعاشرتهن المعاشرة المعروفة بين هؤلاء المأمورين . والمعاشر التي يعرفها الرجال ويتعارفونه بينهم أن الواحد منهم جزء مقوم للمجتمع يساوى سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الانساني لغرض التعاون والتعاضد العمومي النوعي فيتوجه على كل منهم من التكليف أن يسعى بما في وسعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع فيقتنى ما ينتفع به فيعطى ما يستغنى عنه ويأخذ ما يحتاج إليه فلو عومل مع واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة وليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية فيؤخذ تابعا ينتفع به ولا ينتفع هو بشئ يحاذيه وهذا هو الاستثناء . وقد بين الله تعالى في كتابه أن الناس جميعا رجالا ونساءا فروع أصل واحد إنساني وأجزاء وأبعاض لطبيعة واحدة بشرية والمجتمع في تكونه محتاج