السيد الطباطبائي
82
تفسير الميزان
قوله تعالى : " ولا تمنن تستكثر " الذي يعطيه سياق الآيات ويناسب المقام أن يكون المراد بالمن تكدير الصنيعة بذكرها للمنعم عليه كما في قوله تعالى : " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " البقرة : 264 ، وقوله : " يمنون عليك أن أسلموا " الحجرات : 17 والمراد بالاستكثار رؤية الشئ وحسبانه كثيرا لا طلب الكثرة . والمعنى لا تمنن امتثالك لهذه الأوامر وقيامك بالانذار وتكبيرك ربك وتطهيرك ثيابك وهجرك الرجز حال كونك ترى ذلك كثيرا وتعجبه - فإنما أنت عبد لا تملك من نفسك شيئا إلا ما ملكك الله وأقدرك عليه وهو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك فله الامر وعليك الامتثال - . وللقوم في الآية وجوه أخر من التفسير لا تلائم السياق تلك الملاءمة فقيل المعنى لا تعط عطية لتعطي أكثر منها . وقيل : المعنى لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن على الناس مستكثرا به الاجر . وقيل : أي لا تمنن ابلاغ الرسالة على أمتك . وقيل : المعنى لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك . وقيل : المعنى لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا له . وقيل : أي إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك . وقيل : هو نهى عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت . قوله تعالى : " ولربك فاصبر " أي لوجه ربك ، والصبر مطلق يشمل الصبر عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية ، والمعنى ولوجه ربك فاصبر عندما يصيبك من المصيبة والأذى في قيامك بالانذار وامتثالك هذه الأوامر واصبر على طاعة الله واصبر عن معصيته ، وهذا معنى جامع لمتفرقات ما ذكروه في تفسير الآية كقول بعضهم : إنه أمر بنفس الفعل من غير نظر إلى متعلقه ، وقول بعضهم : إنه الصبر على أذى المشركين ، وقول بعضهم : إنه الصبر على أداء الفرائض ، إلى غير ذلك .