السيد الطباطبائي

54

تفسير الميزان

نحو الأصالة وإلى الملائكة على نحو التبعية لكونهم أسبابا متوسطة مسخرة له تعالى . قوله تعالى : " فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا - إلى قوله - عددا " ضمير " فإنه " لله تعالى ، وضميرا " يديه " و " خلفه " للرسول ، والراصد المراقب للامر الحارس له ، والرصد الراصد يطلق على الواحد والجماعة وهو في الأصل مصدر ، والمراد بما بين يدي الرسول ما بينه وبين الناس المرسل إليهم ، وبما خلفه ما بينه وبين مصدر الوحي الذي هو الله سبحانه وقد اعتبر في هذا التصوير ما يوهمه معنى الرسالة من امتداد متوهم يأخذ من المرسل - اسم فاعل - وينتهي إلى المرسل إليه يقطعه الرسول حتى ينتهي إلى المرسل إليه فيؤدي رسالته ، والآية تصف طريق بلوغ الغيب إلى الرسول وهو الرسالات التي توحي إليه كما يشير إلى ذلك قوله : " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " . والمعنى : فإن الله يسلك ما بين الرسول ومن ارسل إليه وما بين الرسول ومصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة - ومن المعلوم أن سلوك الرصد من بين يديه ومن خلفه لحفظ الوحي من كل تخليط وتغيير بالزيادة والنقصان يقع فيه من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها . وقوله : " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " ضمير " ليعلم " لله سبحانه ، وضميرا " قد أبلغوا و " ربهم " لقوله : " من " باعتبار المعنى أو لرسول باعتبار الجنس ، والمراد بعلمه تعالى بإبلاغهم رسالات ربهم العلم الفعلي وهو تحقق الابلاغ في الخارج على حد قوله : " فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " العنكبوت : 3 وهو كثير الورود في كلامه تعالى . والجملة تعليل لسلوك الرصد بين يدي الرسول ومن خلفه ، والمعنى ليتحقق إبلاغ رسالات ربهم أي لتبلغ الناس رسالاته تعالى على ما هي عليه من غير تغير وتبدل . ومن المحتمل أن يرجع ضميرا " بين يديه ومن خلفه " إلى " غيبه " فيكون الرصد الحرس مسلوكين بين يدي الغيب النازل ومن خلفه إلى أن يبلغ الرسول ، ويضعفه أنه لا يلائم قوله : " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " بالمعنى الذي تقدم لعدم استلزام بلوغ الغيب للرسول سليما من تعرض الشياطين حصول العلم بإبلاغه إلى الناس . وإلى هذا المعنى يرجع قول بعضهم إن الضميرين يرجعان إلى جبريل حامل الوحي . ويضعفه مضافا إلى ما مر عدم سبق ذكره .