السيد الطباطبائي
356
تفسير الميزان
التدبير الربوبي بإدبار النهار وإقبال الليل وذهاب سلطان الشمس ، وقيل : المراد به صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى التي هي أفضل الفرائض اليومية ، وقيل الليل والنهار ويطلق عليهما العصران ، وقيل الدهر لما فيه من عجائب الحوادث الدالة على القدرة الربوبية وغير ذلك . وقد ورد في بعض الروايات أنه عصر ظهور المهدي عليه السلام لما فيه من تمام ظهور الحق على الباطل . قوله تعالى : " إن الانسان لفي خسر " المراد بالانسان جنسه ، والخسر والخسران والخسار والخسارة نقص رأس المال قال الراغب : وينسب ذلك إلى الانسان فيقال : خسر فلان وإلى الفعل فيقال : خسرت تجارته ، انتهى . والتنكير في " خسر " للتعظيم ويحتمل التنويع أي في نوع من الخسر غير الخسارات المالية والجاهية قال تعالى : " الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين " الزمر 15 . قوله تعالى : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " استثناء من جنس الانسان الواقع في الخسر ، والمستثنون هم الافراد المتلبسون بالايمان والأعمال الصالحة فهم آمنون من الخسر . وذلك أن كتاب الله يبين أن للانسان حياة خالدة مؤبدة لا تنقطع بالموت وإنما الموت انتقال من دار إلى دار كما تقدم في تفسير قوله تعالى : " على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون " الواقعة ، 61 ، ويبين أن شطرا من هذه الحياة وهي الحياة الدنيا حياة امتحانية تتعين بها صفة الشطر الأخير الذي هو الحياة الآخرة المؤبدة من سعادة وشقاء قال تعالى : " وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع " : الرعد 26 ، وقال : " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة " الأنبياء 35 . ويبين أن مقدمية هذه الحياة لتلك الحياة إنما هي بمظاهرها من الاعتقاد والعمل فالاعتقاد الحق والعمل الصالح ملاك السعادة الأخروية والكفر والفسوق ملاك الشقاء فيها قال تعالى : " وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى " النجم 41 ، وقال : " من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون " الروم 44 ، وقال : " من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها " حم السجدة 46 ، وقد سمى الله تعالى ما سيلقاه الانسان في الآخرة جزاء وأجرا في آيات كثيرة . ويتبين بذلك كله أن الحياة رأس مال للانسان يكسب به ما يعيش به في حياته الآخرة فإن اتبع الحق في العقد والعمل فقد ربحت تجارته وبورك في مكسبه وأمن الشر