السيد الطباطبائي

61

تفسير الميزان

ذكره آخرون ، بل الغرض منها واحد وهو تشريع القتال مع مشركي مكة الذين كانوا يقاتلون المؤمنين . قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، القتال محاولة الرجل قتل من يحاول قتله ، وكونه في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه إقامة الدين وإعلاء كلمة التوحيد ، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس وأعراضهم فإنما هو في الاسلام دفاع يحفظ به حق الانسانية المشروعة عند الفطرة السليمة كما سنبينه ، فان الدفاع محدود بالذات ، والتعدي خروج عن الحد ، ولذلك عقبه بقوله تعالى : ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . قوله تعالى : ولا تعتدوا ( الخ ) الاعتداء هو الخروج عن الحد ، يقال عدا واعتدى إذا جاوز حده ، والنهى عن الاعتداء مطلق يراد به كل ما يصدق عليه أنه اعتداء كالقتال قبل أن يدعى إلى الحق ، والابتداء بالقتال ، وقتل النساء والصبيان ، وعدم الانتهاء إلى العدو ، وغير ذلك مما بينه السنة النبوية . قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم إلى قوله : من القتل ، يقال ثقف ثقافة أي وجد وأدرك فمعنى الآية معنى قوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) التوبة - 6 ، والفتنة هو ما يقع به اختبار حال الشئ ، ولذلك يطلق على نفس الامتحان والابتلاء وعلى ما يلازمه غالبا وهو الشدة والعذاب على ما يستعقبه كالضلال والشرك ، وقد استعمل في القرآن الشريف في جميع هذه المعاني ، والمراد به في الآية الشرك بالله ورسوله بالزجر والعذاب كما كان يفعله المشركون بمكة بالمؤمنين بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبلها . فالمعنى شددوا على المشركين بمكة كل التشديد بقتلهم حيث وجدوا حتى ينجر ذلك إلى خروجهم من ديارهم وجلائهم من أرضهم كما فعلوا بكم ذلك ، وما فعلوه أشد فإن ذلك منهم كان فتنة والفتنة أشد من القتل لان في القتل انقطاع الحياة الدنيا ، وفي الفتنة انقطاع الحياتين وانهدام الدارين . قوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( الخ ) ، فيه نهى عن القتال عند المسجد الحرام حفظا لحرمته ما حفظوه ، والضمير في قوله : فيه راجع إلى