السيد الطباطبائي

45

تفسير الميزان

الرفث إلى نسائكم ، فإن الانسان يستر عورته عن غيره باللباس ، وأما نفس اللباس فلا ستر عنه فكذا كل من الزوجين يتقى به صاحبه عن الرفث إلى غيره ، واما الرفث إليه فلا لأنه لباسه المتصل بنفسه المباشر له . قوله تعالى : علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ، الاختيان والخيانة بمعنى ، وفيه معنى النقص على ما قيل وفي قوله : انكم تختانون ، دلالة على معنى الاستمرار ، فتدل الآية على أن هذه الخيانة كانت دائرة مستمرة بين المسلمين منذ شرع حكم الصيام فكانوا يعصون الله تعالى سرا بالخيانة لأنفسهم ، ولو لم تكن هذه الخيانة منهم معصية لم ينزل التوبة والعفو ، وهما وان لم يكونا صريحين في سبق المعصية لكنهما ، وخاصة إذا اجتمعا ، ظاهران في ذلك . وعلي هذا فالآية دالة على أن حكم الصيام كان قبل نزول الآية حرمة الجماع في ليلة الصيام ، والآية بنزولها شرعت الحلية ونسخت الحرمة كما ذكره جمع من المفسرين ، ويشعر به أو يدل عليه قوله : أحل لكم ، وقوله : كنتم تختانون ، وقوله : فتاب عليكم وعفا عنكم ، وقوله : فالآن باشروهن ، إذ لولا حرمة سابقة كان حق الكلام ان يقال : فلا جناح عليكم ان تباشروهن أو ما يؤدي هذا المعنى ، وهو ظاهر . وربما يقال : ان الآية ليست بناسخة لعدم وجود حكم تحريمي في آيات الصوم بالنسبة إلى الجماع أو إلى الأكل والشرب ، بل الظاهر كما يشعر به بعض الروايات المروية من طرق أهل السنة والجماعة ، ان المسلمين لما نزل حكم فرض الصوم وسمعوا قوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم الآية ، فهموا منه التساوي في الاحكام من جميع الجهات ، وقد كانت النصارى كما قيل : إنما ينكحون ويأكلون ويشربون في أول الليل ثم يمسكون بعد ذلك فأخذ بذلك المسلمون ، غير أن ذلك صعب عليهم ، فكان الشبان منهم لا يكفون عن النكاح سرا مع كونهم يرونه معصية وخيانة لأنفسهم ، والشيوخ ربما أجهدهم الكف عن الأكل والشرب بعد النوم ، وربما اخذ بعضهم النوم فحرم عليه الأكل والشرب بزعمه فنزلت الآية فبينت ان النكاح والأكل والشرب غير محرمة عليهم بالليل في شهر رمضان ، وظهر بذلك : ان مراد الآية بالتشبيه في قوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم التشبيه في أصل فرض الصوم لا في