السيد الطباطبائي
23
تفسير الميزان
عليه : قوله تعالى : ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) الواقعة - 79 ، فإدراك المدركين فيه على السواء ! . وبعد اللتيا والتي : لم يأت هذا الباحث في توجيهه نزول القرآن في شهر رمضان بوجه محصل يقبله لفظ الآية ، فإن حاصل توجيهه : أن معنى : أنزل فيه القرآن : كأنما أنزل فيه القرآن ، ومعنى : إنا أنزلناه في ليلة : كأنا أنزلناه في ليلة ، وهذا شئ لا يحتمله اللغة والعرف لهذا السياق ! . ولو جاز لقائل أن يقول : نزل القرآن ليلة القدر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنزول سورة الفاتحة المشتملة على جمل معارف القرآن جاز أن يقال : إن معنى نزول القرآن نزوله جملة واحدة ، أي نزول إجمال معارفه على قلب رسول الله من غير مانع يمنع كما مر بيانه سابقا . وفي كلامه جهات أخرى من الفساد تركنا البحث عنها لخروجه عن غرضنا في المقام . قوله تعالى : هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، الناس ، وهم الطبقة الدانية من الانسان الذين سطح فهمهم المتوسط أنزل السطوح ، يكثر إطلاق هذه الكلمة في حقهم كما قال تعالى : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) الروم - 30 ، وقال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) العنكبوت - 43 ، وهؤلاء أهل التقليد لا يسعهم تمييز الأمور المعنوية بالبينة والبرهان ، ولا فرق الحق من الباطل بالحجة إلا بمبين يبين لهم وهاد يهديهم والقرآن هدى لهم ونعم الهدى ، وأما الخاصة المستكملون في ناحيتي العلم والعمل ، المستعدون للاقتباس من أنوار الهداية الإلهية والركون إلى فرقان الحق فالقرآن بينات وشواهد من الهدى والفرقان في حقهم فهو يهديهم إليه ويميز لهم الحق ويبين لهم كيف يميز ، قال تعالى : ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم ) المائدة - 16 . ومن هنا يظهر وجه التقابل بين الهدى والبينات من الهدى ، وهو التقابل بين العام والخاص فالهدى لبعض والبينات من الهدى لبعض آخر .