السيد الطباطبائي
87
تفسير الميزان
قوله تعالى : ( والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون ) قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة وتدبير لا كيف اتفق والانشار الاحياء ، والميت مخفف الميت بالتشديد ، وتوصيف البلدة به باعتبار أنها مكان لان البلدة أيضا انما تتصف بالموت والحياة باعتبار أنها مكان ، والالتفات عن الغيبة إلى التكلم مع الغير في ( أنشرنا ) لاظهار العناية . ولما استدل بتنزيل الماء بقدر واحياء البلدة الميتة على خلقه وتدبيره استنتج منه أمر آخر لا يتم التوحيد الا به وهو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى فقال : ( كذلك تخرجون ) أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من قبوركم أحياء . قيل : في التعبير عن اخراج النبات بالانشار الذي هو احياء الموتى وعن احيائهم بالاخراج تفخيم لشأن الانبات وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال وتوضيح منهاج القياس . قوله تعالى : ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون ) قيل : المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر وأنثى وأبيض وأسود وغيرها ، وقيل : المراد الزوج من كل شئ فكل ما سوى الله كالفوق وتحت واليمين واليسار والذكر والأنثى زوج . وقوله : ( وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون ) أي تركبونه ، والركوب إذا نسب إلى الحيوان كالفرس والإبل تعدى بنفسه فيقال : ركبت الفرس وإذا نسب إلى مثل الفلك والسفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى : ( وإذا ركبوا في الفلك ) ففي قوله : ( ما تركبون ) أي تركبونه تغليب لجانب الانعام . قوله تعالى : ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا - إلى قوله - لمنقلبون ) الاستواء على الظهور الاستقرار عليها ، والضمير في ( ظهوره ) راجع إلى لفظ الموصول في ( ما تركبون ) ، والضمير في قوله : ( إذا استويتم عليه ) للموصول أيضا فكما يقال : استويت على ظهر الدابة يقال : استويت على الدابة . والمراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك والانعام ذكر النعم التي ينتفع بها الانسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى