السيد الطباطبائي

58

تفسير الميزان

وفي الآية انتقال من حديث الرزق إلى آيات التوحيد التي لها تعلق ما بالأرزاق ، ويتلوها في هذا المعنى آيات ، وتذييل الآية بالاسمين : الولي الحميد وهما من أسمائه تعالى الحسنى للثناء عليه في فعله الجميل . قوله تعالى : ( ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ) الخ ، البث التفريق ، ويقال : بث الريح التراب إذا أثاره ، والدابة كل ما يدب على الأرض فيعم الحيوانات جميعا ، والمعنى ظاهر . وظاهر الآية أن في السماوات خلقا من الدواب كالأرض ، وقول بعضهم : إن ما في السماوات من دابة هي الملائكة يدفعه أن إطلاق الدواب على الملائكة غير معهود . وقوله : ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) إشارة إلى حشر ما بث فيهما من دابة وقد عبر بالجمع لمقابلته البث الذي هو التفريق ، ولا دلالة في قوله : ( على جمعهم ) حيث أتى بضمير أولى العقل على كون ما في السماوات من الدواب أو لي عقل كالانسان لقوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون ) الانعام : 38 . والقدير من أسمائه تعالى الحسنى وهو الذي أركزت فيه القدرة وثبتت ، قال الراغب : القدرة إذا وصف بها الانسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شئ ما ، وإذا وصف الله بها فهي نفي العجز عنه ، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا بل حقه أن يقال : قادر على كذا ، ومتى قيل : هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد ، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه . والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى قال : ( إنه على ما يشاء قدير ) ، والمقتدر يقاربه نحو ( عند مليك مقتدر ) لكن قد يوصف به البشر ، وإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة ، انتهى . وهو حسن غير أن في قوله : إن القدرة إذا وصف بها الله فهي نفي العجز عنه مساهلة ظاهرة فإن صفاته تعالى الذاتية كالحياة والعلم والقدرة لها معان إيجابية هي عين