السيد الطباطبائي

388

تفسير الميزان

ففي حمل العبادة على الصلوح والاستعداد اعتراف بكون الغرض من الخلق أولا وبالذات نفس العبادة ثم الصلوح والاستعداد فيعود الاشكال لو كان هناك إشكال . فالحق أن اللام في ( الجن والإنس ) للجنس دون الاستغراق ، والمراد بالعبادة نفسها دون الصلوح والاستعداد ، ولو كان المراد هو الصلوح والاستعداد للعبادة لكان ذلك غرضا أدنى مطلوبا لأجل غرض أعلى هو العبادة كما أن نفس العبادة بمعنى ما يأتي به العبد من الأعمال بالجوارح من قيام وركوع وسجود ونحوها غرض مطلوب لأجل غرض آخر هو المثول بين يدي رب العالمين بذلة العبودية وفقر المملوكية المحضة قبال العزة المطلقة والغنى المحض كما ربما استفيد من قوله تعالى : ( قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ) الفرقان : 77 ، حيث بدل العبادة دعاء . فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية وتوجيه وجهه إلى مقام ربه ، وهذا هو مراد من فسر العبادة بالمعرفة يعني المعرفة الحاصلة بالعبادة . فحقيقة العبادة هي الغرض الأقصى من الخلقة وهي أن ينقطع العبد عن نفسه وعن كل شئ ويذكر ربه . هذا ما يعطيه التدبر في قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ولعل تقديم الجن على الانس لسبق خلقهم على خلق الانس قال تعالى : ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) الحجر : 27 ، والعبادة هي غرض الفعل أي كمال عائد إليه لا إلى الفاعل على ما تقدم . ويظهر من القصر في الآية بالنفي والاستثناء أن لا عناية لله بمن لا يعبده كما يفيده أيضا قوله : ( قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ) . قوله تعالى : ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الاطعام إعطاء الطعام ليطعم ويؤكل قال تعالى : ( والذي هو يطعمني ويسقين ) الشعراء : 79 ، وقال : ( الذي أطعمهم من جوع ) الايلاف : 4 ، فيكون ذكر الاطعام بعد الرزق من قبيل ذكر الخاص بعد العام لتعلق عناية خاصة به وهي أن التغذي أوسع حوائج الانسان وغيره وأخسها لكونه مسبوقا بالجوع وملحوقا بالدفع . وقيل : المراد بالرزق رزق العباد والمعنى : ما أريد منهم أن يرزقوا عبادي الذين أرزقهم وما أريد أن يطعموني نفسي .