السيد الطباطبائي

223

تفسير الميزان

من النعمة والكرامة وصفات أولئك من النقمة والهوان وعلى الجملة فيها المقايسة بين الفريقين في صفاتهم وأعمالهم في الدنيا وما يترتب عليها في الأخرى ، وفيها بعض ما يتعلق بالقتال من الاحكام . وهي سورة مدنية على ما يشهد به سياق آياتها . قوله تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ) فسر الصد بالاعراض عن سبيل الله وهو الاسلام كما عن بعضهم ، وفسر بالمنع وهو منعهم الناس أن يؤمنوا بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إليه من دين التوحيد كما عن بعض آخر . وثاني التفسيرين أوفق لسياق الآيات التالية وخاصة ما يأمر المؤمنين بقتلهم وأسرهم وغيرهم . فالمراد بالذين كفروا كفار مكة ومن تبعهم في كفرهم وقد كانوا يمنعون الناس عن الايمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويفتنونهم ، وصدوهم أيضا عن المسجد الحرام . وقوله : ( أضل أعمالهم ) أي جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها التي قصدت بها وهي بالجملة إبطال الحق وإحياء الباطل فالجملة في معنى ما تكرر منه تعالى من قوله : ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) البقرة : 264 ، وقد وعد سبحانه بإحياء الحق وإبطال الباطل كما في قوله : ( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) الأنفال : 8 . فالمراد من ضلال أعمالهم بطلانها وفسادها دون الوصول إلى الغاية ، وعد ذلك ضلالا من الاستعارة بالكناية . قوله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ) الخ ، ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد بالذين آمنوا الخ ، مطلق من آمن وعمل صالحا فيكون قوله : ( وآمنوا بما نزل على محمد ) تقييدا احترازيا لا تأكيدا وذكرا لما تعلقت به العناية في الايمان . وقوله : ( وهو الحق من ربهم ) جملة معترضة والضمير راجع إلى ما نزل . وقوله : ( كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ) قال في المجمع : البال الحال والشأن والبال القلب أيضا يقال : خطر ببالي كذا ، والبال لا يجمع لأنه أبهم أخواته من الحال والشأن . انتهى .