السيد الطباطبائي
170
تفسير الميزان
القرآن تعلق الايقان بالأصول الاعتقادية . وتخصيص الهدى والرحمة بقوم يوقنون مع التصريح بكونه بصائر للناس لا يخلو من تأييد لكون المراد بالهدى الوصول إلى المطلوب دون مجرد التبصر ، وبالرحمة الرحمة الخاصة بمن اتقى وآمن برسوله بعد الايمان بالله ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ) الحديد : 28 ، وقال : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب - إلى أن قال - وبالآخرة هم يوقنون ) البقرة : 4 ، وللرحمة درجات كثيرة تختلف سعة وضيقا ثم للرحمة الخاصة بأهل الايمان أيضا مراتب مختلفة باختلاف مراتب الايمان فلكل مرتبة من مراتبه ما يناسبها منها . وأما الرحمة بمعنى مطلق الخير الفائض منه تعالى فإن القرآن بما يشتمل على الشريعة رحمة للناس كافة كما أن الرسول المبعوث به رحمة لهم جميعا ، قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء : 107 ، وقد أوردنا بعض الكلام في هذا المعنى في بعض المباحث السابقة . قوله تعالى : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) الخ ، قال في الجمع : الاجتراح الاكتساب ، يقال : جرح واجترح وكسب واكتسب وأصله من الجراح لان لذلك تأثيرا كتأثير الجراح . قال : والسيئة الفعلة القبيحة التي يسوء صاحبها باستحقاق الذم عليها . انتهى . والجعل بمعنى التصيير ، وقوله : ( كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) في محل المفعول الثاني للجعل ، والتقدير كائنين كالذين آمنوا ، الخ . وجزم الزمخشري في الكشاف على كون الكاف في ( كالذين ) اسما بمعنى المثل هو مفعول ثان لقوله : ( نجعلهم ) ، وقوله : ( سواء ) بدلا منه . وقوله : ( سواء ) بالنصب على القراءة الدائرة وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي مستويا أو متساويا ، وقوله : ( محياهم ) مصدر ميمي وفاعل ( سواء ) وضميره راجع إلى مجموع المجترحين والمؤمنين ، و ( مماتهم ) معطوف على ( محياهم ) وحاله كحاله . والآية مسوقة سوق الانكار و ( أم ) منقطعة ، والمعنى : بل أحسب وظن الذين يكتسبون السيئات أن نصيرهم مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستويا محياهم