السيد الطباطبائي
43
تفسير الميزان
وقيل : قوله : " كذلك " خبر لمبتدء محذوف ، والتقدير الامر كذلك فهو تقرير إجمالي للتفصيل المتقدم من اختلاف الثمرات والجبال والناس والدواب والانعام . وقيل : " كذلك " متعلق بقوله : " يخشى " في قوله : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " والإشارة إلى ما تقدم من الاعتبار بالثمرات والجبال وغيرهما والمعنى إنما يخشى الله كذلك الاعتبار بالآيات من عباده العلماء ، وهو بعيد لفظا ومعنى . قوله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " استئناف يوضح أن الاعتبار بهذه الآيات إنما يؤثر أثره ويورث الايمان بالله حقيقة والخشية منه بتمام معنى الكلمة في العلماء دون الجهال ، وقد مر أن الانذار إنما ينجح فيهم حيث قال : " إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة " فهذه الآية كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية إنما توجد في العلماء . والمراد بالعلماء العلماء بالله وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم وتزيل وصمة الشك والقلق عن نفوسهم وتظهر آثارها في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم ، والمراد بالخشية حينئذ حق الخشية ويتبعها خشوع في باطنهم وخضوع في ظاهرهم . هذا ما يستدعيه السياق في معنى الآية . وقوله : " إن الله عزيز غفور " يفيد معنى التعليل فلعزته تعالى وكونه قاهرا غير مقهور وغالبا غير مغلوب من كل جهة يخشاه العارفون ، ولكونه غفورا كثير المغفرة للآثام والخطيئات يؤمنون به ويتقربون إليه ويشتاقون إلى لقائه . قوله تعالى : " إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور " تلاوة الكتاب قراءة القرآن وقد أثنى عليها الله سبحانه ، وإقامة الصلاة إدامة إتيانها وحفظها من أن تترك ، والانفاق من الرزق سرا وعلانية بذل المال سرا تحذرا من الرياء وزوال الاخلاص في الانفاق المسنون ، وبذل المال علانية ليشيع بين الناس كما في الانفاق الواجب . وقوله : " يرجون تجارة لن تبور " أي لن تهلك بالخسران ، وذكر بعضهم أن قوله : " يرجون " الخ . خبر إن في صدر الآية وعند بعضهم الخبر مقدر يتعلق به قوله : " ليوفيهم " الخ " أي فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم " الخ .