السيد الطباطبائي

380

تفسير الميزان

" لم شهدتم علينا " ؟ إراءة منها للسبب الذي أوجب نطقها وكشف عن العلم المدخر عندها المكنون في ضميرها فهي ملجأة إلى التكلم والنطق ، ولا يضر ذلك نفوذ شهادتها وتمام الحجة بذلك فإنها إنما ألجئت إلى الكشف عما في ضميرها لا على الستر عليه والاخبار بخلافه كذبا وزورا حتى ينافي جواز الشهادة وتمام الحجة . وقوله : " الذي أنطق كل شئ " توصيف لله سبحانه وإشارة إلى أن النطق ليس مختصا بالأعضاء حتى تختص هي بالسؤال بل هو عام شامل لكل شئ والسبب الموجب له هو الله سبحانه . وقوله : " وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون " من تتمة الكلام السابق أو هو من كلامه ، وهو احتجاج على علمه بأعمالهم وقد أنطق الجوارح بما علم . يقول : إن وجودكم يبتدئ منه تعالى وينتهي إليه تعالى فعند ما تظهرون من كتم العدم - وهو خلقكم أول مرة - يعطيكم الوجود ويملككم الصفات والافعال فتنسب إليكم ثم ترجعون وتنتهون إليه فيرجع ما عندكم من ظاهر الملك الموهوب إليه فلا يبقى ملك إلا وهو لله سبحانه . فهو سبحانه المالك لجميع ما عندكم أولا وآخرا فما عندكم من شئ في أول وجودكم هو الذي أعطاكموه وملكه لكم وهو أعلم بما أعطى وأودع ، وما عندكم من شئ حينما ترجعون إليه هو الذي يقبضه منكم إليه ويملكه فكيف لا يعلمه ، وانكشافه له سبحانه حينما يرجع إليه إنطاقه لكم وشهادتكم على أنفسكم عنده . وبما مر من البيان يظهر وجه تقييد قوله : " وهو الذي خلقكم " بقوله : " أول مرة " فالمراد به أول وجودهم . ولهم في قوله : " قالوا أنطقنا الله " في معنى الانطاق نظائر ما تقدم في قوله : " شهدت عليهم " من الأقوال فمن قائل : إن الله يخلق لهم يومئذ العلم والقدرة على النطق فينطقون ، ومن قائل : إنه يخلق عند الأعضاء أصواتا شبيهة بنطق الناطقين وهو المراد بنطقهم ، ومن قائل : إن المراد بالنطق دلالة ظاهر الحال على ذلك . وكذا في عموم قوله : " أنطق كل شئ " فقيل : هو مخصص بكل حي نطق إذ