السيد الطباطبائي

359

تفسير الميزان

بعد فصل فقد افتتح بقوله : " تنزيل من الرحمان الرحيم " الخ ثم قيل : " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن " الخ ، وقيل : " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا " الخ ، وقيل : " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم " الخ ، وقيل - وهو في خاتمة الكلام - : " قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به " الخ . ولازم إعراضهم عن كتاب الله إنكار الأصول الثلاثة التي هي أساس دعوته الحقة وهي الوحدانية والنبوة والمعاد فبسطت الكلام فيها وضمنته التبشير والانذار . والسورة مكية لشهادة مضامين آياتها على ذلك وهي من السور النازلة في أوائل البعثة على ما يستفاد من الروايات . قوله تعالى : " حم تنزيل من الرحمان الرحيم " خبر مبتدء محذوف ، والمصدر بمعنى المفعول ، والتقدير هذا منزل من الرحمان الرحيم ، والتعرض للصفتين الكريمتين : الرحمان الدال على الرحمة العامة للمؤمن والكافر ، والرحيم الدال على الرحمة الخاصة بالمؤمنين للإشارة إلى أن هذا التنزيل يصلح للناس دنياهم كما يصلح لهم آخرتهم . قوله تعالى : " كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " خبر بعد خبر ، والتفصيل يقابل الاحكام والاجمال ، والمراد بتفصيل آيات القرآن تمييز أبعاضه بعضها من بعض بإنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكن السامع العارف بأساليب البيان من فهم معانيه وتعقل مقاصده وإلى هذا يشير قوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " هود : 1 ، وقوله : " والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم " الزخرف : 4 . وقوله : " قرآنا عربيا " حال من الكتاب أو من آياته ، وقوله : " لقوم يعلمون " اللام للتعليل أو للاختصاص ، ومفعول " يعلمون " إما محذوف والتقدير لقوم يعلمون معانيه لكونهم عارفين باللسان الذي نزل به وهم العرب وإما متروك والمعنى لقوم لهم علم . ولازم المعنى الأول أن يكون هناك عناية خاصة بالعرب في نزول القرآن عربيا وهو الذي يشعر به أيضا قوله الآتي : " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي " الآية وقريب منه قوله : " ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه