السيد الطباطبائي
345
تفسير الميزان
( بيان ) رجع سبحانه ثانيا إلى الإشارة إلى آيات التوحيد توحيد الربوبية والألوهية بعد ما بدء بها في السورة أولا بقوله : " هو الذي يريكم آياته " . قوله تعالى : " هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا " الآية . أي جعل لأجلكم الليل مظلما لتسكنوا فيه من التعب الذي عرض لكم وجه النهار من جهة السعي في طلب الرزق ، والنهار مبصرا لتبتغوا من فضل ربكم وتكسبوا الرزق ، وهذا من أركان تدبير الحياة الانسانية . وقد ظهر بذلك أن نسبة الابصار إلى النهار من المجاز العقلي لكن ليس من المبالغة في شئ كما ادعاه بعضهم . وقوله : " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون " امتنان عليهم بالفضل وتقريع لهم بعدم شكرهم له قبال هذا الفضل العظيم ولو شكروه لعبدوه ووضع " الناس " الثاني موضع الضمير للإشارة إلى أن من طبع الناس بما هم ناس كفران النعم كما قال : " إن الانسان لظلوم كفار " إبراهيم : 34 . قوله تعالى : " ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون " أي ذلكم الذي يدبر أمر حياتكم ورزقكم بسكون الليل وسعي النهار هو الله تعالى وهو ربكم لان تدبير أمركم إليه . وقوله : " خالق كل شئ " أي ورب كل شئ لأنه خالق كل شئ والخلق لا ينفك عن التدبير ولازم ذلك أن لا يكون في الوجود رب غيره لا لكم ولا لغيركم ولذلك عقبه بقوله : " لا إله إلا هو " أي فإذن لا معبود بالحق غيره إذ لو كان هناك معبود آخر كان رب آخر فإن الألوهية من شؤون الربوبية . وقوله : " فأنى تؤفكون " أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره . قوله تعالى : " كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون " أي كمثل هذا الإفك يؤفك الجاحدون لايات الله فإن الآيات ظاهرة غير خفية فالانصراف عن مدلولها لا سبب له إلا الجحد .