السيد الطباطبائي
282
تفسير الميزان
اتباع هذه الخطابات يحيي الانسان حياة طيبة وينفخ فيه روح الايمان ويصلح أعماله ويدخله في ولاية الله تعالى وهي الكرامة ليست فوقها كرامة . وقوله : " من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون " أنسب لهذا المعنى فإن الدعوة إلى عمل بالتخويف من مفاجأة الحرمان ومباغتة المانع إنما تكون غالبا فيما يساهل المدعو في أمره ويطيب نفسه بسوف ولعل ، وهذا المعنى أمس بإصلاح الباطن منه بإصلاح الظاهر والآتيان بأجساد الأعمال ، ويقرب منه قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " الأنفال : 24 . قوله تعالى : " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " الخ قال في المجمع : التفريط إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته ، وقال : التحسر الاغتمام مما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكن استدراكه . انتهى . وقال الراغب : الجنب الجارحة . قال : ثم يستعار في الناحية التي تليها لعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال . انتهى . فجنب الله جانبه وناحيته وهي ما يرجع إليه تعالى مما يجب على العبد أن يعامله ومصداق ذلك أن يعبده وحده ولا يعصيه والتفريط في جنب الله التقصير في ذلك . وقوله : " وإن كنت لمن الساخرين " " إن " مخففة من الثقيلة ، والساخرين اسم فاعل من سخر بمعنى استهزء . ومعنى الآية إنما نخاطبكم بهذا الخطاب حذر أن تقول أو لئلا تقول نفس منكم يا حسرتا على ما قصرت في جانب الله وإني كنت من المستهزئين ، وموطن القول يوم القيامة . قوله تعالى : " أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين " ضمير تقول للنفس ، والمراد بالهداية الارشاد وإراءة الطريق ، والمعنى ظاهر وهو قطع للعذر . قوله تعالى : " أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين " لو للتمني والكرة الرجعة ، والمعنى أو تقول نفس متمنية حين ترى العذاب يوم القيامة : ليت لي رجعة إلى الدنيا فأكون من المحسنين .