السيد الطباطبائي
25
تفسير الميزان
والمعنى : ولما ورد موسى ماء مدين وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أغنامهم ووجد بالقرب منهم مما يليه امرأتين تحبسان أغنامهما وتمنعانها أن ترد المورد قال موسى مستفسرا عنهما - حيث وجدهما تذودان الغنم وليس على غنمهما رجل - : ما شأنكما ؟ قالتا لا نسقى غنمنا أي عادتنا ذلك حتى يصدر الراعون ويخرجوا أغنامهم وأبونا شيخ كبير - لا يقدر أن يتصدى بنفسه أمر السقي ولذا تصدينا الامر . قوله تعالى : ( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير ) فهم عليه السلام من كلامهما أن تأخرهما في السقي نوع تعفف وتحجب منهما وتعد من الناس عليهما فبادر إلى ذلك وسقى لهما . وقوله : ( ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير ) أي انصرف إلى الظل ليستريح فيه والحر شديد وقال ما قال ، وقد حمل الأكثرون قوله : ( رب انى لما أنزلت ) الخ على سؤال طعام يسد به الجوع ، وعليه فالأولى أن يكون المراد بقوله ( ما أنزلت إلى ) القوة البدنية التي كان يعمل بها الأعمال الصالحة التي فيها رضى الله كالدفاع عن الإسرائيلي والهرب من فرعون بقصد مدين وسقى غنم شعيب واللام في ( لما أنزلت ) بمعنى إلى واظهار الفقر إلى هذه القوة التي أنزلها الله إليه من عنده بالإفاضة كناية عن اظهار الفقر إلى شئ من الطعام تستبقي به هذه القوة النازلة الموهوبة . ويظهر منه أنه عليه السلام كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل ولا يريده وان كان مما يقتضيه طبعه البشرى الا ابتغاء مرضاة ربه وجهادا فيه ، وهذا ظاهر بالتدبر في القصة فهو القائل لما وكز القبطي : رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم القائل لما خرج من مصر خائفا يترقب : ( رب نجني من القوم الظالمين ) ثم القائل لما أخذ في السلوك : ( عسى ربى أن يهديني سواء السبيل ) ثم القائل لما سقى وتولى إلى الظل : ( رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير ) ثم القائل لما آجر نفسه شعيبا وعقد على بنته : ( والله على ما نقول وكيل ) . وما نقل عن بعضهم ان اللام في ( لما أنزلت ) للتعليل ، وكذا قول بعضهم ان المراد بالخير خير الدين وهو النجاة من الظالمين بعيد مما يعطيه السياق .