السيد الطباطبائي
198
تفسير الميزان
كفره بتقدير المضاف أو نفس كفره الذي سينقلب عليه نارا يخلد فيها وهذا أحد الفريقين . وقوله : ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) مهد الفراش بسطه وايطاؤه ، وهؤلاء الفريق الاخر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقد جئ بالجزاء ( فلأنفسهم يمهدون ) جمعا نظرا إلى المعنى ، كما أنه جئ به مفردا في الشرطية السابقة ( فعليه كفره ) نظرا إلى اللفظ ، واكتفى في الشرط بذكر العمل الصالح ولم يذكر الايمان معه لان العمل انما يصلح بالايمان على أنه مذكور في الآية التالية . والمعنى : والذين عملوا عملا صالحا - بعد الايمان - فلأنفسهم يوطؤن ما يعيشون به ويستقرون عليه . قوله تعالى : ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله انه لا يحب الكافرين ) قال الراغب : الجزاء الغناء والكفاية ، قال الله تعالى : ( لا تجزى نفس عن نفس شيئا ) ، وقال : ( لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر ، يقال : جزيته كذا وبكذا . انتهى . وقوله : ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ) اللام للغاية ولا ينافي عد ما يؤتيهم جزاء - وفيه معنى المقابلة - عده من فضله وفيه معنى عدم الاستحقاق وذلك لأنهم بأعيانهم وما يصدر عنبهم من أعمالهم ملك طلق لله سبحانه فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتى يستحقوا به أجرا ، وأين العبودية من الملك والاستحقاق فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق . لكنه سبحانه بفضله ورحمته اعتبر لهم ملكا لاعمالهم في عين أنه يملكهم ويملك أعمالهم فجعل لهم بذلك حقا يستحقونه ، وجعل ما ينالونه من الجنة والزلفى أجرا مقابلا لاعمالهم وهذا الحق المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه . ومنشأ ذلك حبه تعالى لهم لأنهم لما أحبوا ربهم أقاموا وجوههم للدين القيم واتبعوا الرسول فيما دعا إليه فأحبهم الله كما قال : ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) آل عمران : 31 . ولذا كانت الآية تعد ما يؤتيهم الله من الثواب جزاء وفيه معنى المقابلة والمبادلة