السيد الطباطبائي

28

تفسير الميزان

رجاء لرحمته أو خوفا من سخطه ، وقوله بالتفريع على ذلك : " أفلا تتقون " أي إذا لم يكن لكم رب يدبر أموركم دونه أفلا تتقون عذابه حيث لا تعبدونه وتكفرون به ؟ قوله تعالى : " قال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم - إلى قوله - حتى حين " ملا القوم أشرافهم ، ووصفهم بقوله : " الذين كفروا من قومه " وصف توضيحي لا احترازي إذ لم يؤمن به من ملا قومه أحد بدليل قولهم على ما حكاه الله : " وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي " هود : 27 . والسياق يدل على أن الملا كانوا يخاطبون بمضمون الآيتين عامة الناس لصرف وجوههم عنه وإغرائهم عليه وتحريضهم على إيذائه وإسكاته ، وما حكاة تعالى من أقاويلهم في الآيتين وجوه أربعة أو خمسة من فرية أو مغالطة لفقوها واحتجوا بها على بطلان دعوته . الأول قولهم : " ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم " ومحصله أنه بشر مثلكم فلو كان صادقا فيما يدعيه من الوحي الإلهي والاتصال بالغيب كان نظير ما يدعيه متحققا فيكم إذ لا تنقصون منه في شئ من البشرية ولوازمها ، ولم يتحقق فهو كاذب وكيف يمكن أن يكون كمال في وسع البشر أن يناله ثم لا يناله إلا واحد منهم فقط ثم يدعيه من غير شاهد يشهد عليه ؟ فلم يبق إلا أنه يريد بهذه الدعوة أن يتفضل عليكم ويترأس فيكم ويؤيده أنه يدعوكم إلى اتباعه وطاعته وهذه الحجة تنحل في الحقيقة إلى حجتين مختلقتين . والثاني قولهم : " ولو شاء الله لأنزل ملائكة " ومحصله أن الله سبحانه لو شاء أن يدعونا بدعوة غيبية لاختار لذلك الملائكة الذين هم المقربون عنده والشفاء الروابط بيننا وبينه فأرسلهم إلينا لا بشرا ممن لا نسبة بينه وبينه . على أن في نزولهم واعترافهم بوجوب العبادة له تعالى وحده وعدم جواز اتخاذهم أربابا وآلهة معبودين آية بينة على صحة الدعوة وصدقها . والتعبير أن إرسال الملائكة بإنزالهم إنما هو لكون إرسالهم يتحقق بالانزال والتعبير بلفظا الجمع دون الافراد لعله لكون المراد بهم الآلهة المتخذة منهم وهم كثيرون . والثالث قولهم : " ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " ومحصله أنه لو كانت دعوته حقة لا تفق لها نظير فيما سلف من تاريخ الانسانية ، وآباؤنا كانوا أفضل منا وأعقل ولم