السيد الطباطبائي

136

تفسير الميزان

وقوله : " والله عليم بما يفعلون " ومن فعلهم تسبيحهم له سبحانه ، وهذا التسبيح وإن كان في بعض المراحل هو نفس وجودهم لكن صدق اسم التسبيح يجوز أن يعد فعلا لهم بهذه العناية . وفي ذكر علمه تعالى بما يفعلون عقيب ذكر تسبيحهم ترغيب للمؤمنين وشكر لهم بأن ربهم يعلم ذلك منهم وسيجزيهم جزاء حسنا ، وإيذان بتمام الحجة على الكافرين ، فإن من مراتب علمه تعالى كتب الأعمال والكتاب المبين التي تثبت فيها أعمالهم فيثبت فيها تسبيحهم بوجودهم ثم إنكارهم بألسنتهم . قوله تعالى : " ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير " سياق الآية وقد وقعت بين قوله : " ألم تر أن الله سبح له " الخ ، وهو احتجاج على شمول نوره العام لكل شئ ، وبين قوله : " ألم تر أن الله يزجي : الخ ، وما يتعقبه وهو إحتجاج على اختصاص النور الخاص ، يعطي أنها كالمتوسط بين القبيلين أعني بين الامرين يحتج بها على كليهما ، فملكه تعالى لكل شئ وكونه مصيرا لها هو دليل على تعميمه نوره العام تخصيصه نوره الخاص يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . فقوله : " ولله ملك السماوات والأرض " يخص الملك ويقصره فيه تعالى فله أن يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ولازم قصر الملك فيه كونه هو المصير لكل شئ وإذ كان لا مليك إلا هو واليه مرجع كل شئ ومصيره فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ومن هنا يظهر أن المراد - والله أعلم - بقوله : " وإلى الله المصير " مرجعيته تعالى في الأمور دون المعاد نظير قوله : " ألا إلى الله تصير الأمور " الشورى : 53 . قوله تعالى : " ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله " إلى آخر الآية . الازجاء هو الدفع ، والركام المتراكم بعضه على بعض ، والودق هو المطر ، والخلال جمع الخلل وهو الفرجة بين الشيئين . والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان أنه سامع فيشمل كل سامع ، والمعنى : ألم تر أنت وكل من يرى أن الله يدفع بالرياح سحابا متفرقا ثم يؤلف بينه ثم يجعله متراكما بعضه على بعض فترى المطر يخرج من خلله وفرجه فينزل على الأرض .