السيد الطباطبائي
8
تفسير الميزان
وقد قدم قوله : " رب " للاسترحام في مفتتح الدعاء ، والتأكيد بأن للدلالة على تحققه بالحاجة والوهن هو الضعف ونقصان القوة وقد نسبه إلى العظم لأنه الدعامة التي يعتمد عليها البدن في حركته وسكونه ، ولم يقل : العظام مني ولا عظمي للدلالة على الجنس وليأتي بالتفصيل بعد الاجمال . وقوله : " واشتعل الرأس شيبا " الاشتعال انتشار شواظ النار ولهيبها في الشئ المحترق قال في المجمع : وقوله : " واشتعل الرأس شيبا " من أحسن الاستعارات والمعنى اشتعل الشيب في الرأس وانتشر ، كما ينتشر شعاع النار ، وكأن المراد بالشعاع الشواظ واللهيب . وقوله ولم أكن بدعائك رب شقيا " الشقاوة خلاف السعادة وكأن المراد بها الحرمان من الخير وهو لازم الشقاوة أو هو هي ، وقوله : " بدعائك " متعلق بالشقي والباء فيه للسببية أو بمعنى في والمعنى وكنت سعيدا بسبب دعائي إياك كلما دعوتك استجبت لي من غير أن تشقيني وتحرمني ، أو لم أكن محروما خائبا في دعائي إياك عودتني الإجابة إذا دعوتك والتقبل إذا سألتك ، والدعاء على أي حال مصدر مضاف إلى المفعول . وقيل : إن " دعائك " مصدر مضاف إلى الفاعل ، والمعنى لم أكن بدعوتك إياي إلى العبودية والطاعة شقيا متمردا غير مطيع بل عابدا لك مخلصا في طاعتك والمعنى الأول أظهر . وفى تكرار قوله : " رب " ووضعه متخللا بين اسم كان وخبره في قوله : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " من البلاغة ما لا يقدر بقدر ، ونظيره قوله : " واجعله رب رضيا " . قوله تعالى : " وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا " تتمة التمهيد الذي قدمه لدعائه ، والمراد بالموالي العمومة وبنو العم ، وقيل : الكلالة وقيل : العصبة ، وقيل : بنو العم فحسب ، وقيل : الورثة وكيف كان فهم غير الأولاد من صلب والمراد خفت فعل الموالي من ورائي أي بعد موتى وكان عليه السلام يخاف أن يموت بلا عقب من نسله فيرثوه ، وهو كناية عن خوفه أن يموت بلا عقب .