السيد الطباطبائي
276
تفسير الميزان
الآية أن الملائكة لا يعرفون النهي إذ النهي فرع جواز الاتيان بالفعل المنهي عنه وهم لا يفعلون إلا عن أمر . ويمكن أن يستفاد من قوله تعالى : " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ " يس : 83 ، وقوله : " وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " القمر : 50 ، حقيقة معنى أمره تعالى وقد تقدم في بعض المباحث السابقة كلام في ذلك وسيجئ استيفاء البحث في كلام خاص بالملائكة فيما يعطيه القرآن في حقيقة الملك . قوله تعالى : " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " فسروا " ما بين أيديهم وما خلفهم " بما قدموا من أعمالهم وما أخروا ، والمعنى : يعلم ما عملوا وما هم عاملون . فقوله : " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " استئناف في مقام التعليل لما تقدمه من قوله : " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " كأنه قيل : إنما لم يقدموا على قول أو عمل بغير أمره تعالى لأنه يعلم ما قدموا من قول وعمل وما أخروا فلا يزالون يراقبون أحوالهم حيث إنهم يعلمون ذلك . وهو معنى جيد في نفسه لكنه إنما يصلح لتعليل عدم إقدامهم على المعصية لا لتعليل قصر عملهم على مورد الامر وهو المطلوب ، على أن لفظ الآية لا دلالة فيه على أنهم يعلمون ذلك ولولا ذلك لم يتم البيان . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا " مريم : 64 ، أن الا وجه حمل قوله : " ما بين أيدينا " على الأعمال والآثار المتفرعة على وجودهم ، وقوله : " وما خلفنا " على ما هو من أسباب وجودهم مما تقدمهم وتحقق قبلهم فلو حمل اللفظتان في هذه الآية على ما حملتا عليه هناك كانت الجملة تعليلا واضحا لمجموع قوله : " بل عباد مكرمون - إلى قوله - بأمره يعملون " الذي يذكرهم بشرافة الذات وشرافة آثار الذات من القول والفعل ويكون المعنى : إنما أكرم الله ذواتهم وحمد آثارهم لأنه يعلم أعمالهم وأقوالهم وهي ما بين أيديهم ويعلم السبب الذي به وجدوا والأصل الذي عليه نشأوا وهو ما خلفهم كما يقال : فلان كريم النفس حميد السيرة لأنه مرضي الأعمال من أسره كريمة .