السيد الطباطبائي
224
تفسير الميزان
" فأما يأتينكم " فإن يأتكم زيد عليه ما ونون التأكيد للإشارة إلى وقوع الشرط كأنه قيل : إن يأتكم منى هدى - وهو لا محالة آت - فمن اتبع " الخ " . وفي قوله : " فمن اتبع هداي نسبة الاتباع إلى الهدى على طريق الاستعارة بالكناية ، وأصله : " من اتبع الهادي الذي يهدي بهداي . وقوله : " فلا يضل ولا يشقى " أي لا يضل في طريقه ولا يشقى في غايته التي هي عاقبة أمره ، وإطلاق الضلال والشقاء يقضى بنفي الضلال والشقاء عنه في الدنيا والآخرة جميعا وهو كذلك فإن الهدى الإلهي هو الدين الفطري الذي دعا إليه بلسان أنبيائه ، ودين الفطرة هو مجموع الاعتقادات والأعمال التي تدعو إليها فطرة الانسان وخلقته بحسب ما جهز به من الجهازات ، ومن المعلوم أن سعادة كل شئ هو ما تستدعيه خلقته بما لها من التجهيز لا سعادة له وراءه ، قال تعالى : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " الروم : 30 . قوله تعالى : " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى " قال الراغب : العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو أخص من الحياة لان الحياة يقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك ويشتق منه المعيشة لما يتعيش منه ، قال تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " " معيشة ضنكا " انتهى ، والضنك هو الضيق من كل شئ ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، يقال مكان ضنك ومعيشة ضنك وهو في الأصل مصدر ضنك يضنك من باب شرف يشرف أي ضاق . وقوله : " ومن أعرض عن ذكري " يقابل قوله في الآية السابقة : " فمن اتبع هداي " وكان مقتضى المقابلة أن يقال : " ومن لم يتبع هداي " وإنما عدل عنه إلى ذكر الاعراض عن الذكر ليشير به إلى علة الحكم لان نسيانه تعالى والاعراض عن ذكره هو السبب لضنك العيش والعمى يوم القيامة ، وليكون توطئة وتمهيدا لما سيذكر من نسيانه تعالى يوم القيامة من نسيه في الدنيا . والمراد بذكره تعالى إما المعنى المصدري فقوله : " ذكري " من إضافة المصدر إلى مفعوله أو القرآن أو مطلق الكتب السماوية كما يؤيده قوله الآتي اتتك آياتنا فنسيتها أو الدعوة الحقة وتسميتها ذكرا لان لازم اتباعها والاخذ بها ذكره تعالى .