السيد الطباطبائي
191
تفسير الميزان
قوله تعالى : " قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري " الفتنة الامتحان والاختبار ونسبة الاضلال إلى السامري - وهو الذي سبك العجل وأخرجه لهم فعبدوه وضلوا - لأنه أحد أسبابه العاملة فيه . والفاء في قوله : " فإنا قد فتنا قومك " للتعليل يعلل به ما يفهم من سابق الكلام فإن المفهوم من قول موسى هم أولاء على أثري " أن قومه على حسن حال لم يحدث فيهم ما يوجب قلقا فكأنه قيل : لا تكن واثقا على ما خلفتهم فيه فإنا قد فتناهم فضلوا . وقوله : " قومك " من وضع الظاهر موضع المضمر ولعل المراد غير المراد به في الآية السابقة بأن يكون ما ههنا عامة القوم وما هناك السبعون رجلا الذين اختارهم موسى للميقات . قوله تعالى : " فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا - إلى قوله - فأخلفتم موعدي " الغضبان صفة مشبهة من الغضب ، وكذا الأسف من الأسف بفتحتين وهو الحزن وشدة الغضب ، والموعد الوعد ، وإخلافهم موعده هو تركهم ما وعدوه من حسن الخلافة بعده حتى يرجع إليهم ، ويؤيده قوله في موضع آخر : " بئسما خلفتموني من بعدى " . والمعنى فرجع موسى إلى قومه والحال أنه غضبان شديد الغضب - أو حزين - وأخذ يلومهم على ما فعلوا - قال يا قوم ألم يعدكم ربك وعدا حسنا - وهو أن ينزل عليهم التوراة فيها حكم الله وفي الاخذ بها سعادة دنياهم وأخراهم - أو وعده تعالى أن ينجيهم من عدوهم ويمكنهم في الأرض ويخصهم بنعمه العظام " أفطال عليكم العهد " وهو مدة مفارقة موسى إياهم حتى يكونوا آيسين من رجوعه فيختل النظم بينهم " أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم " فطغوتم بالكفر به بعد الايمان وعبدتم العجل " فأخلفتم موعدي " وتركتم ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي . وربما قيل في معنى قوله : " فأخلفتم موعدي " بعض معان أخر : كقول بعضهم إن إخلافهم موعده أنه أمرهم أن يلحقوا به فتركوا المسير على أثره ، وقول بعضهم هو أنه أمرهم بطاعة هارون بعده إلى أن يرجع إليهم فخالفوه