السيد الطباطبائي

62

تفسير الميزان

مترفيها بالطاعة ففسقوا عن أمرنا وعصوه ، أو يكون الامر في الآية مستعملا استعمال اللازم ، والمعنى توجه أمرنا إلى مترفيها ففسقوا فيها عنه . فالحق ان الوجهين لا باس بكل منهما وان كان الثاني لا يخلو من ظهور ، وقد أجيب عن اختصاص الامر بالمترفين بأنهم الرؤساء السادة والأئمة المتبوعون وغيرهم اتباعهم وحكم التابع تابع لحكم المتبوع ولا يخلو من سقم . وذكر بعضهم في توجيه الآية ان قوله : ( أمرنا مترفيها ) الخ صفة لقرية وليس جوابا لاذا وجواب إذا محذوف على حد قوله : حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها إلى آخر الآية للاستغناء عنه بدلالة الكلام . وذكر آخرون ان في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير وإذا أمرنا مترفى قرية ففسقوا فيها أردنا ان نهلكها ، وذلك أنه لا معنى لإرادة الهلاك قبل تحقق سببه وهو الفسق ، وهو وجه سخيف كسابقه . هذا كله على القراءة المعروفة ( أمرنا ) بفتح الهمزة ثم الميم مخففة من الامر بمعنى الطلب ، وربما اخذ من الامر بمعنى الاكثار أي أكثرنا مترفيها مالا وولدا ففسقوا فيها . وقرئ ( آمرنا ) بالمد ونسب إلى علي عليه السلام والى عاصم وابن كثير ونافع وغيرهم وهو من الايمان بمعنى اكثار المال والنسل أو بمعنى تكليف انشاء فعل ، وقرئ أيضا ( أمرنا ) بتشديد الميم من التأمير بمعنى تولية الامارة ونسب ذلك إلى علي والحسن والباقر عليه السلام وإلى ابن عباس وزيد بن علي وغيرهم . قوله تعالى : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) قال في المفردات : القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون قال : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ) ( وكم أهلكنا من القرون ) انتهى ومعنى الآية ظاهر ، وفيها تثبيت ما ذكر في الآية السابقة من سنة الله الجارية في اهلاك القرى بالإشارة إلى القرون الماضية الهالكة . والآية لا تخلو من اشعار بان سنة الا هلاك انما شرعت في القرون الانسانية بعد نوح