السيد الطباطبائي

59

تفسير الميزان

وبالجملة أصول الدين وهى التي يستقل العقل ببيانها ويتفرع عليها قبول الفروع التي تتضمنها الدعوة النبوية ، تستقر المؤاخذة الإلهية على ردها بمجرد قيام الحجة القاطعة العقلية من غير توقف على بيان النبي والرسول لان صحة بيان النبي والرسول متوقفة عليها فلو توقف هي عليها لدارت . وتستقر المؤاخذة الأخروية على الفروع بالبيان النبوي ولا تتم الحجة فيها بمجرد حكم العقل ، وقد فصلنا القول فيه في مباحث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب ، وفي غيرهما . والمؤاخذة الدنيوية بعذاب الاستئصال يتوقف على بعث الرسول بعناية من الله سبحانه لا لحكم عقلي يحيل هذا النوع من المؤاخذة قبل بعث الرسول كما عرفت . وللمفسرين في الآية مشاجرات طويلة تركنا التعرض لها لخروج أكثرها عن غرض البحث التفسيري ، ولعل الذي أوردناه من البحث لا يوافق ما أوردوه لكن الحق أحق بالاتباع . قوله تعالى : ( وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) قال الراغب : الترفة التوسع في النعمة يقال : اترف فلان فهو مترف - إلى أن قال في قوله : أمرنا مترفيها - هم الموصوفون بقوله سبحانه : ( فاما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ) انتهى . وقال في المجمع : الترفة النعمة ، قال ابن عرفة : المترف المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع منه ، وقال : التدمير الاهلاك والدمار الهلاك . انتهى . وقوله : ( إذا أردنا ان نهلك قرية ) أي إذا دنا وقت هلاكهم من قبيل قولهم : إذا أراد العليل ان يموت كان كذا ، وإذا أرادت السماء ان يمطر كان كذا ، أي إذا دنا وقت موته وإذا دنا وقت امطارها فان من المعلوم انه لا يريد الموت بحقيقة معنى الإرادة وانها لا تريد الأمطار كذلك ، وفي القرآن : ( فوجدا جدارا يريد ان ينقض ) الآية . ويمكن ان يراد به الإرادة الفعلية وحقيقتها توافق الأسباب المقتضية للشئ