السيد الطباطبائي
54
تفسير الميزان
مر من جهة اليمين إلى الشمال تشأموا ولذا سمى تطيرا . انتهى . وقال في المفردات : تطير فلان واطير أصله التفاؤل بالطير ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم ( قالوا انا تطيرنا بكم ) ولذلك قيل : لا طير الا طيرك وقال : ( ان تصبهم سيئة يطيروا ) أي يتشاءموا به ( الا انما طائرهم عند الله ) أي شؤمهم ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم ، وعلى ذلك قوله : ( قالوا اطيرنا بك وبمن معك ) ( قال طائركم عند الله ) ( قالوا طائركم معكم ) ( وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ) أي عمله الذي طار عنه من خير وشر ويقال : تطايروا إذا أسرعوا ويقال إذا تفرقوا . انتهى . وبالجملة سياق ما قبل الآية وما بعدها وخاصة قوله : ( من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ) الخ ، يعطى ان المراد بالطائر ما يستدل به على الميمنة والمشامة ويكشف عن حسن العاقبة وسوءها فلكل انسان شئ يرتبط بعاقبة حاله يعلم به كيفيتها من خير أو شر . والزام الطائر جعله لازما له لا يفارقه ، وانما جعل الالزام في العنق لأنه العضو الذي لا يمكن ان يفارقه الانسان أو يفارق هو الانسان بخلاف الأطراف كاليد والرجل ، وهو العضو الذي يوصل الرأس بالصدر فيشاهد ما يعلق عليه من قلادة أو طوق أو غل أول ما يواجه الانسان . فالمراد بقوله : ( وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ) ان الذي يستعقب لكل انسان سعادته أو شقاءه هو معه لا يفارقه بقضاء من الله سبحانه فهو الذي ألزمه إياه ، وهذا هو العمل الذي يعمله الانسان لقوله تعالى : ( وان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) النجم : 41 . فالطائر الذي ألزمه الله الانسان في عنقه هو عمله ، ومعنى الزامه إياه ان الله قضى ان يقوم كل عمل بعامله ويعود إليه خيره وشره ونفعه وضره من غير أن يفارقه إلى غيره ، وقد استفيد من قوله تعالى : ( وان جهنم لموعدهم أجمعين . . . ان المتقين في جنات وعيون ) الآيات الحجر : 45 ان من القضاء المحتوم ان حسن العاقبة للايمان والتقوى وسوء العاقبة للكفر والمعصية .