السيد الطباطبائي
268
تفسير الميزان
الكلام أن يقدم القول الثاني ويؤخر الأول ويذكر مع الثالث الذي لم يذكر معه ما يدل على عدم ارتضائه . والقول الثالث أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، وقد ذكره الله سبحانه ولم يعقبه بشئ يدل على تزييفه ، ولا يخلو ذلك من اشعار بأنه القول الحق وقد تقدم في الكلام على محاورتهم المحكية بقوله تعالى : " قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم " أنه مشعر بل دال على أن عددهم لم يكن بأقل من سبعة . ومن لطيف صنع الآية في عد الأقوال نظمها العدد من ثلاثة إلى ثمانية نظما متواليا ففيها ثلاثة رابعها خمسة سادسها سبعة وثامنها . وأما قوله : " رجما بالغيب " تمييز يصف القولين بأنهما من القول بغير علم والرجم هو الرمي بالحجارة وكأن المراد بالغيب الغائب وهو القول الذي معناه غائب عن العلم لا يدري قائله أهو صدق أم كذب ؟ فشبه الذي يلقي كلاما ما هذا شأنه بمن يريد الرجم بالحجارة فيرمي ما لا يدري أحجر هو يصيب غرضه أم لا ؟ ولعله المراد بقول بعضهم : رجما بالغيب أي قذفا بالظن لان المظنون غائب عن الظان لا علم له به . وقيل معنى " رجما بالغيب " ظنا بالغيب وهو بعيد . وقد قال تعالى : " ثلاثة رابعهم كلبهم " وقال : " خمسة سادسهم كلبهم " فلم يأت بواو ثم قال : " سبعة وثامنهم كلبهم " فأتى بواو قال في الكشاف : وثلاثة خبر مبتدء محذوف أي هم ثلاثة ، وكذلك خمسة وسبعة ، رابعهم كلبهم جملة من مبتدء وخبر واقعة صفة لثلاثة ، وكذلك سادسهم كلبهم وثامنهم كلبهم . فان قلت : فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ؟ ولم دخلت عليها دون الأوليين ؟ قلت : هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك : جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وبيده سيف ، ومنه قوله تعالى : " وما أهلكنا من قرية الا ولها كتاب معلوم " وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر . وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا : سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات