السيد الطباطبائي

238

تفسير الميزان

محفوظ من مخالطة الشياطين لا اختلاف فيه ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . والقيم هو الذي يقوم بمصلحة الشئ وتدبير أمره كقيم الدار وهو القائم بمصالحها ويرجع إليه في أمورها ، والكتاب إنما يكون قيما بما يشتمل عليه من المعاني ، والذي يتضمنه القرآن هو الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما قال تعالى : " يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم " الأحقاف : 30 ، وهذا هو الدين وقد وصف تعالى دينه في مواضع من كتابه بأنه قيم قال : " فأقم وجهك للدين القيم " الروم : 43 وعلى هذا فتوصيف الكتاب بالقيم لما يتضمنه من الدين القيم على مصالح العالم الانساني في دنياهم وأخراهم . وربما عكس الامر فاخذ القيمومة وصفا للكتاب ثم للدين من جهته كما في قوله تعالى : " وذلك دين القيمة : البينة : 5 فالظاهر أن معناه دين الكتب القيمة وهو نوع تجوز . وقيل : المراد بالقيم المستقيم المعتدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط ، وقيل : القيم المدبر لسائر الكتب السماوية يصدقها ويحفظها وينسخ شرائعها وتعقيب الكلمة بقوله : " لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين " الخ يؤيد ما قدمناه . قوله تعالى : لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات " الآية أي لينذر الكافرين عذابا شديدا صادرا من عند الله كذا قيل والظاهر بقرينة تقييد المؤمنين المبشرين بقوله : " الذين يعملون الصالحات " أن التقدير لينذر الذين لا يعملون الصالحات أعم ممن لا يؤمن أصلا أو يؤمن ويفسق في عمله . والجملة على أي حال بيان لتنزيله الكتاب على عبده مستقيما قيما إذ لولا استقامته في نفسه وقيمومته على غيره لم يستقم إنذار ولا تبشير وهو ظاهر . والمراد بالاجر الحسن الجنة بقرينة قوله في الآية التالية : " ماكثين فيه أبدا " والمعنى ظاهر . قوله تعالى : " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا " وهم عامة الوثنيين القائلين بأن الملائكة أبناء أو بنات له وربما قالوا بذلك في الجن والمصلحين من البشر والنصارى