السيد الطباطبائي
185
تفسير الميزان
وللمفسرين في معنى صدر الآية وذيلها وجوه أخر أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع مسفوراتهم . ومما ذكروه فيها أن المراد بالشفاء في الآية أعم من أشفاء الأمراض الروحية من الجهل والشبهة والريب والملكات النفسانية الرذيلة وشفاء الأمراض الجسمية بالتبرك بآياته الكريمة قراءة وكتابة هذا . ولا بأس به لكن لو صح التعميم فليصح في الصدر والذيل جميعا فإنه كما يستعان به على دفع الأمراض والعاهات بقراءة وكتابة كذلك . يستعان به على دفع الأعداء ورفع ظلم الظالمين وإبطال كيد الكافرين فيزيد بذلك الظالمين خسارا كما يفيد المؤمنين شفاء هذا ، ونسبة زيادة خسارهم إلى القرآن مع أنها مستندة بالحقيقة إلى سوء اختيارهم وشقاء أنفسهم إنما هي بنوع من المجاز . قوله تعالى : " وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا " قال في المفردات : العرض خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها - إلى أن قال - وأعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل " أعرض لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله ، وإذا قيل : " أعرض عني فمعناه ولى مبديا عرضه ، انتهى موضع الحاجة . والنأي البعد ونأى بجانبه أي اتخذ لنفسه جهة بعيدة منا ، ومجموع قوله : " أعرض ونأى بجانبه " يمثل حال الانسان في تباعده وانقطاعه من ربه عندما ينعم عليه . كمن يحول وجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقفا بعيدا منه ، وربما ذكر بعض المفسرين أن قوله : " نأى بجانبه كناية عن الاستكبار والاستعلاء . وقوله : " وإذا مسه الشر كان يؤسا " أي وإذا أصابه الشر إصابة خفيفة كالمس كان آيسا منقطع الرجاء عن الخير وهو النعمة ، ولم ينسب الشر إليه تعالى كما نسب النعمة تنزيها له تعالى من أن يسند إليه الشر ، ولان وجود الشر أمر نسبي لا نفسي فما يتحقق من الشر في العالم كالموت والمرض والفقر والنقص وغير ذلك أنما هو شر بالنسبة إلى مورده ، واما بالنسبة إلى غيره وخاصة النظام العام الجاري في الكون فهو من الخير الذي لا مناص عنه في التدبير الكلي فما كان من الخير فهو مما تعلقت به بعينه