السيد الطباطبائي
116
تفسير الميزان
ومن أعظم ما يزين في قلوبهم هذا الاستبعاد زعمهم أن الموت فناء للانسان ومن المستبعد أن يتكون الشئ عن عدم بحت كما قالوا : أإذا كنا عظاما ورفاتا بفساد أبداننا عن الموت حتى إذا لم يبق منها إلا العظام ثم رمت العظام وصارت رفاتا أإنا لفى خلق جديد نعود أناسي كما كنا ؟ ذلك رجع بعيد ولذلك رده سبحانه إليهم بتذكيرهم القدرة المطلقة والخلق الأول كما سيأتي . قوله تعالى : " قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم " جواب عن استبعادهم ، وقد عبروا في كلامهم بقولهم : " أإذا كنا " فأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم أمر تسخير أن يكونوا حجارة أو حديدا " الخ " مما تبديله إلى الانسان أبعد وأصعب عندهم من تبديل العظام الرفات إليه . فيكون إشارة إلى أن القدرة المطلقة الإلهية لا يشقها شئ تريد تجديد خلقه سواء أكان عظاما ورفاتا أو حجاره أو حديدا أو غير ذلك . والمعنى : قل لهم ليكونوا شيئا أشد من العظام والرفات حجارة أو حديدا أو مخلوقا آخر من الأشياء التي تكبر في صدورهم ويبالغون في استبعاد أن يخلق منه الانسان - فليكونوا ما شاءوا فإن الله سيعيد إليهم خلقهم الأول ويبعثهم . قوله تعالى : " فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مره " أي فإذا أجبت عن استبعادهم بأنهم مبعوثون أياما كانوا وإلى أي حال وصفة تحولوا سيسألونك ويقولون من يعيدنا إلى ما كنا عليه من الخلقة الانسانية ؟ فاذكر لهم الله سبحانه وذكرهم من وصفه بما لا يبقى معه لاستبعادهم محل وهو فطره إياهم أول مره ولم يكونوا شيئا وقل : يعيدكم الذي خلقكم أول مره . ففي تبديل لفظ الجلالة من قوله : " الذي خلقكم أول مرة " إثبات الامكان ورفع الاستبعاد بإراءة المثل . قوله تعالى : " فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا " قال الراغب : الانغاض تحريك الرأس نحو الغير كالمتعجب منه . انتهى . والمعنى : فإذا قرعتهم بالحجة وذكرتهم بقدرة الله على كل شئ وفطره إياهم أول