السيد الطباطبائي

48

تفسير الميزان

وتواجهه ، وإقامة الانسان نفسه في أمر هي استقامته فيه فافهم . فقوله : " فاستقم كما أمرت " أي كن ثابتا على الدين موفيا حقه طبق ما أمرت بالاستقامة ، وقد أمر به في قوله : " وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين " يونس : 105 ، وقوله : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " الروم : 30 . قال في روح المعاني : أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستقامة مثل الاستقامة التي أمر بها وهذا يقتضي أمره صلى الله عليه وآله وسلم بوحي آخر ولو غير متلو كما قاله غير واحد ، والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسط بين الافراط والتفريط ، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق . انتهى . أما احتماله إن يكون هناك وحي آخر غير متلو يشير إليه قوله تعالى : " كما أمرت " أي استقم كما أمرت سابقا بالاستقامة فبعيد عن سنة القرآن وحاشا أن يعتمد بالبيان القرآني على أمر مجهول أو أصل مستور غير مذكور ، وقد عرفت أن الإشارة بذلك على ما أمره الله به من إقامة وجهه للدين حنيفا ، وإقامة الوجه للدين هو الاستقامة في الدين ، وقد ورد قوله : " أقم وجهك للدين " - كما عرفت - في سورتين كلتاهما مكيتان ، وسورة يونس التي هي إحداهما نازلة قبل هذه السورة قطعا وإن لم يسلم ذلك في السورة الأخرى التي هي سورة الروم . وأما قوله : " إن المراد بقوله : " استقم " الدوام على الاستقامة وهي لزوم المنهج المستقيم المتوسط بين الافراط والتفريط " فقد عرفت أن معنى استقامة الانسان في أمر ثبوته على حفظه وتوفية حقه بتمامه وكماله ، واستقامة الانسان مطلقا ركوزه وثبوته لما يرد عليه من الوظائف بتمام قواه وأركانه بحيث لا يترك شيئا من قدرته واستطاعته لغي لا أثر له . ولو كان المراد بالامر بالاستقامة هو الامر بلزوم الاعتدال بين الافراط والتفريط لكان الأنسب أن يردف هذا الامر بالنهي عن الافراط والتفريط معا مع أنه تعالى عقبه بقوله : " ولا تطغوا " فنهى عن الافراط فقط ، وهو بمنزلة عطف التفسير لقوله : " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك " وهذا أحسن شاهد على أن المراد بقوله : " فاستقم " الخ