السيد الطباطبائي
256
تفسير الميزان
فلقوا أباهم وكلموه ان يرسل يوسف معهم غدا يرتع ويلعب وهم له حافظون فلم يرض به يعقوب واعتذر انه يخاف ان يأكله الذئب فلم يزالوا به يراودونه حتى أرضوه واخذوه منه وذهبوا به معهم إلى مراتع أغنامهم بالبر فالقوه في جب هناك وقد نزعوا قميصه . ثم جاؤوا بقميصه ملطخا بدم كذب إلى أبيهم وهم يبكون فأخبروه انهم ذهبوا اليوم للاستباق وتركوا يوسف عند متاعهم فاكله الذئب وهذا قميصه الملطخ بدمه . فبكى يعقوب وقال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ولم يقل ذلك الا بتفرس الهى القى في روعه ولم يزل يعقوب يذكر يوسف ويبكى عليه ولا يتسلى عنه بشئ حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم . ومضى بنوه يراقبون الجب حتى جاءت سيارة فأرسلوا واردهم للاستقاء فأدلى دلوه فتعلق يوسف بالدلو فخرج فاستبشروا به فدنى منهم بنو يعقوب وادعوا انه عبد لهم ثم ساوموهم حتى شروه بثمن بخس دراهم معدودة . وسارت به السيارة إلى مصر وعرضوه للبيع فاشتراه عزيز مصر وادخله بيته وقال لامرأته أكرمي مثواه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا وذلك لما كان يشاهد في وجهه من آثار الجلال وصفاء الروح على ما له من الجمال البديع فاستقر يوسف في بيت العزيز في كرامة واهناء عيش وهذا أول ما ظهر من لطيف عناية الله بيوسف وعزيز ولايته له حيث توسل اخوته بالقائه في الجب وبيعه من السيارة إلى إماتة ذكره وتحريمه كرامة الحياة في بيت أبيه اما إماتة الذكر فلم ينسه أبوه قط واما مزية الحياة فان الله سبحان بدل له بيت الشعر وعيشة البدوية قصرا ملكيا وحياة حضرية راقية فرفع الله قدره بعين ما أرادوا ان يحطوه ويضعوه وعلى ذلك جرى صنع الله به ما سار في مسير الحوادث . وعاش يوسف في بيت العزيز في اهنأ عيش حتى كبر وبلغ أشده ولم يزل تزكو نفسه ويصفو قلبه ويشتغل بربه حتى توله في حبه وأخلص له فصار لا هم له الا فيه فاجتباه الله وأخلصه لنفسه وآتاه حكما وعلما وكذلك يفعل بالمحسنين . وعشقته امرأة العزيز وشغفها حبه حتى راودته عن نفسه وغلقت الأبواب ودعته