السيد الطباطبائي

109

تفسير الميزان

أحسن افراد الغلمان والجواري فما كانوا ليتولعوا في كل من اقتنوه ولا ليتولهوا كل من ألفوه فكان لأمر العزيز باكرام مثواه ورجاء الانتفاع به أو اتخاذه ولدا معنى عميق وعلى الأخص من جهة انه أمر بذلك امرأته وسيدة بيته وليس من المعهود ان تباشر الملكات والعزيزات جزئيات الأمور وسفاسفها ولا ان تتصدى السيدات المنيعة مكانا أمور العبيد والغلمان . نعم ان يوسف ( ع ) كان ذا جمال بديع يبهر العقول ويوله الألباب وكان قد اوتى مع جمال الخلق حسن الخلق صبورا وقورا لطيف الحركات مليح اللهجة حكيم المنطق كريم النفس نجيب الأصل وهذه صفات لا تنمو في الانسان الا واعراقها ناجمة فيه أيام صباوته وآثارها لائحة من سيماه من بادئ امره . فهذه هي التي جذبت نفس العزيز إلى يوسف وهو طفل صغير حتى تمنى ان ينشأ يوسف عنده في خاصة بيته فيكون من أخص الناس به ينتفع به في أموره الهامة ومقاصده العالية أو يدخل في أرومته ويكون ولدا له ولامرأته بالتبني فيعود وارثا لبيته . ومن هنا يمكن ان يستظهر ان العزيز كان عقيما لا ولد له من زوجته ولذلك ترجى ان يتبنى هو وزوجته يوسف . فقوله : " وقال الذي اشتراه من مصر " أي العزيز لامرأته وهى العزيزة " أكرمي مثواه " أي تصدى بنفسك امره واجعلي له مقاما كريما عندك عسى ان ينفعنا في مقاصدنا العالية وأمورنا الهامة أو نتخذه ولدا بالتبني . قوله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " قال في المفردات المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشئ قال ويقال مكنته ومكنت له فتمكن قال تعالى : " ولقد مكناهم في الأرض " " ولقد مكناهم فيما ان مكناكم فيه " " ا ولم نمكن لهم " " ونمكن لهم الأرض " قال قال الخليل : المكان مفعل من الكون ولكثرته في الكلام اجرى مجرى فعال فقيل تمكن وتمسكن مثل تمنزل انتهى فالمكان هو مقر الشئ من الأرض والامكان والتمكين الاقرار والتقرير في المحل وربما يطلق المكان المكانة لمستقر الشئ من الأمور المعنوية كالمكانة في العلم وعند الناس ويقال أمكنته من الشئ فتمكن منه أي أقدرته فقدر عليه وهو من قبيل الكناية .