السيد الطباطبائي
85
تفسير الميزان
لكن التدبر في كلامه تعالى والبحث العميق يدفع ذلك فإن القرآن يرى أن الحكم يختص بالله تعالى ، وليس لاحد من خلقه أن يبادر إلى تشريع حكم ووضعه في المجتمع الانساني ، قال تعالى : ( إن الحكم الا لله ) يوسف : 40 . وقد أشار تعالى إلى لم ذلك في قوله : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) الروم : 30 فتبين به أن معنى كون الحكم لله كونه معتمدا على الخلقة والفطرة منطبقا عليها غير مخالف لما ينطق به الكون والوجود . وذلك أن الله سبحانه لم يخلق الخلق عبثا كما قال : ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا ) المؤمنون : 115 بل خلقهم لأغراض إلهية وغايات كمالية يتوجهون إليها بحسب جبلتهم ويسيرون نحوها بفطرتهم بما جهزهم به من الأسباب والأدوات وهداهم إليه من السبيل الميسر لهم كما قال : ( أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) طه : 50 ، وقال : ( ثم السبيل يسره ) عبس : 20 . فوجود الأشياء في بدء خلقها مناسب لما هيئ لها من منزلة الكمال مجهز بقوى وأدوات يتوسل بها إلى غايتها ، ولا يسير شئ منها إلى كماله المهيأ له إلا من طريق الصفات الاكتسابية والأعمال ، فمن الواجب بالنظر إلى ذلك أن يكون الدين أعني القوانين الجارية في الصفات والأعمال الاكتسابية منطبقا على الخلقة والفطرة فإن الفطرة لا تنسى غايتها ولا تتخطاها ، ولا تبعث نحو فعل ولا تزجر عن فعل إلا لدعوة ما جهزت به إليه ، ولا يدعو الجهاز إلا لأجل ما جهز لأجله وهو الغاية . فالانسان لما كان مجهزا بجهاز التغذية والنكاح كان حكمه الحقيقي في دين الفطرة هو التغذي والنكاح دون الجوكية والرهبانية مثلا ، ولما كان مطبوعا على الاجتماع والتعاون كان من حكمه أن يشارك سائر الناس في مجتمعهم ويقوم بالاعمال الاجتماعية ، وعلى هذا القياس . فالذي يتعين للانسان من الاحكام والسنن هو الذي يدعوه إليه الكون العالمي الذي هو جزء حقير منه ، وقد جهز وجوده بما يسوقه إليه من مرحلة الكمال ، فهذا