السيد الطباطبائي

57

تفسير الميزان

وإذ لم يكن لهم في ذلك جواب مثبت فإنهم لا يجيبون ، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يخلفهم في الجواب فيجيب في ذلك - أعني الهداية إلى الحق - باثباتها لله سبحانه فقيل : ( قل الله يهدى للحق ) فان الله سبحانه هو الذي يهدى كل شئ إلى مقاصده التكوينية والأمور التي يحتاج إليها في بقائه كما في قوله : ( ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) طه : 50 ، وقوله : ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) الاعلى : 3 وهو الذي يهدى الانسان إلى سعادة الحياة ويدعوه إلى الجنة والمغفرة باذنه بارسال الرسل وانزال الكتب وتشريع الشرائع ، وأمرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس . وقد مر في تفسير قوله تعالى : ( الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) آل عمران : 60 أن الحق من الاعتقاد والقول والفعل انما يكون حقا بمطابقة السنة الجارية في الكون للذي هو فعله فالحق بالحقيقة انما يكون حقا بمشيته وارادته . وإذ تحقق انه ليس من شركائهم من يهدى إلى الحق ، وان الله سبحانه يهدى إلى الحق سألهم بقوله : ( أفمن يهدى إلى الحق أحق ان يتبع امن لا يهدى إلا أن يهدى ) ؟ ان يقضوا في الترجيح بين اتباعه تعالى واتباع شركائهم وهو تعالى يهدى إلى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون إلا بغيرهم ، ومن المعلوم ان الرجحان لمن يهدى على من لا يهدى أي لاتباعه تعالى على اتباعهم ، والمشركون يحكمون بالعكس ، ولذلك لامهم ووبخهم بقوله : ( فما لكم كيف تحكمون ) ؟ والتعبير في الترجيح في قوله : ( أحق أن يتبع ) بأفعل التفضيل الدال على مطلق الرجحان دون التعين والانحصار مع أن اتباعه تعالى حق لا غير واتباعهم لا نصيب له من الحق انما هو بالنظر إلى مقام الترجيح ، وليسهل بذلك قبولهم للقول من غير إثارة لعصبيتهم وتهييج لجهالتهم . وقد أبدع تعالى في قوله ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى والقراءة الدائرة : ( لا يهدى ) بكسر الهاء وتشديد الدال وأصله يهتدى ، وظاهر قوله : ( لا يهدى إلا أن يهدى ) وقد حذف متعلقات الفعل فيه أنه إنما يهتدى بغيره لا بنفسه .