السيد الطباطبائي

55

تفسير الميزان

وفي الآية دلالة على أن الأمور الضرورية والاحكام والقوانين البينة التي تجرى في النظام المشهود كقولنا : لا واسطة بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال لها نوع استناد إلى القضاء الإلهي ، وليست ثابتة في ملكه تعالى من تلقاء نفسها . وربما ذكر بعض المفسرين : أن المراد بالكلمة في الآية كلمة العذاب وقوله : ( أنهم لا يؤمنون ) في موضع التعليل بتقدير لامه ، والتقدير كثبوت هذه الحجة عليهم حقت كلمة ربك على الذين فسقوا وهى وعيدهم بالعذاب وانما حقت عليهم العذاب لأنهم لا يؤمنون . ولا يخلو عن سقم فان وجه الشبه غير ظاهر ولا متفق فيهما فالحجة ثابتة عليهم بذاتها وأما العذاب فليس ثبوته كذلك بل لأمر آخر وهو انهم لا يؤمنون . والحجة - كما سمعت في البيان المتقدم - حجة ساذجة يعترف بحقيتها الوثنية ، وقد صرفوها عن وجهها وأقاموا على ما يدعونها من ربوبية أربابهم واستحقاقها للعبادة من دون الله حيث قالوا : ان تدبير كل شأن من شؤون العالم العامة إلى واحد من هذه الأرباب فهو رب ذلك الشأن ، وانما نعبد أصنامها وتماثيلها لنرضيها بذلك فتشفع لنا عند الله بما لها من القرب عنده . فأخذت الآية اعترافهم بأن هذه التدابير لله سبحانه - وكيف لا تكون له وهو خالق الكل ومبقيها ؟ - فله سبحانه وحده حقيقة الربوبية وهو المستحق للعبادة لا غيره . قوله تعالى : ( قل هل من شركائكم من يبدء الخلق ثم يعيده ) إلى آخر الآية . تلقين للاحتجاج من جهة المبدء والمعاد فان الذي يبدء كل شئ ثم يعيده يستحق ان يعبده الانسان اتقاء من يوم لقائه ليأمن من أليم عذابه وينال عظيم ثوابه يوم المعاد . ولما كان المشركون - وهم المخاطبون بالحجة - غير قائلين بالمعاد أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ان يتصدى جواب سؤاله بنفسه وقال : ( قل الله يبدء الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ) وإلى متى تصرفون عن الحق .