السيد الطباطبائي
32
تفسير الميزان
بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم ) الشورى : 14 إلى غير ذلك من الآيات . وسياق الآية السابقة أعني قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) الخ ، لا يناسب من الاختلافين المذكورين إلا الاختلاف الثاني وهو الاختلاف في نفس الدين لأنها تذكر ركوب الناس طريق الضلال بعبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم واتخاذهم شفعاء عند الله ، ومقتضى ذلك أن يكون المراد من كون الناس سابقا أمة واحدة كونهم على دين واحد وهو دين التوحيد ثم اختلفوا فتفرقوا فريقين موحد ومشرك . فذكر الله فيها أن اختلافهم كان يقضى أن يحكم الله بينهم باظهار الحق على الباطل وفيه هلاك المبطلين وإنجاء المحقين لكن السابق من الكلمة الإلهية منعت من القضاء بينهم ، والكلمة هي قوله تعالى لما أهبط الانسان إلى الدنيا : ( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) البقرة : 36 . وللمفسرين في الآية أقوال عجيبة منها : أن المراد بالناس هم العرب كانوا على دين واحد حق وهو دين إبراهيم عليه السلام إلى زمن عمرو بن لحى الذي زوج بينهم الوثنية فانقسموا إلى حنفاء مسلمين ، وعبدة أصنام مشركين ، وأنت خبير أنه لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة . ومنها : أن المراد بالناس جميعهم ، والمراد من كونهم أمة واحدة كونهم على فطرة الاسلام وإن كانوا مختلفين دائما ، فلفظة ( كان ) منسلخ الزمان ، والآية تحكى عما عليه الناس بحسب الطبع وهو التوحيد ، وما هم عليه بحسب الفعلية وهو الاختلاف فليس الناس بحسب الطبع الفطري إلا أمة واحدة موحدين لكنهم اختلفوا على خلاف فطرتهم . وفيه أنه خلاف ظاهر الآية والآية التي في سورة البقرة ، وكذا ظاهر سائر الآيات كقوله : ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) الشورى : 14 وقوله : ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) آل عمران : 19 .