السيد الطباطبائي

284

تفسير الميزان

خرافي لا حقيقة له لكن الحفريات الأخيرة التي وقعت في غايا الحديثة وآثارا أخرى في بطنة دلت على صحة وجوده ، وقد انكشفت بها آثار أخرى من تاريخ حياته وتعاليمه التي ألقاها إلى تلامذته وأتباعه . وكان بوذا من بيت الملك ابن ملك يدعى ( سوذودانا ) فعزفت نفسه الدنيا وشهواتها واعتزل الناس في شبابه ولبث في بعض الغابات الموحشة سنين من عمره مكبا على التزهد والارتياض حتى تنورت نفسه بالمعرفة فخرج إلى الناس وهو ابن ست وثلاثين سنة على ما قيل فدعاهم إلى التخلص عن الشقاء والآلام والفوز بالراحة الكبرى والحياة السماوية الأبدية السرمدية ، ووعظهم وحثهم على التمسك بذيل شريعته بالتخلق بالأخلاق الكريمة ورفض الشهوات واجتناب الرذائل . وكان بوذا - على ما نقل - يقول عن نفسه من دون كبرياء برهمية : ( أنا ( 1 ) متسول ، ولا توجد إلا شريعة واحدة للجميع ، وهى العقاب الشديد للمجرمين والثواب العظيم للصالحين ، وشريعتي شريعة نعمة للجميع ، وفيها كالسماء مكان للرجال والنساء والصبيان والبنات والأغنياء والفقراء على أنه يعسر على الغنى أن يسلك طريقها ) . وكان تعليمه على ما عند البوذيين : أن الطبيعة ذات فراغ وأنها وهمية خداعة وأن العدم يوجد في كل مكان وكل زمان ، وهو مملوء من الغش ، ونفس هذا العدم يزيل كل الحواجز بين أصناف الناس وجنسياتهم وأحوالهم الدنيوية ، ويجعل أحقر الديدان إخوة للبوذيين . وهم يعتقدون أن آخر عبارة نطق بها سقياموني هي ( كل مركب فان ) والغاية القصوى عندهم هي نجاة النفس من كل ألم وغرور ، وأن دور التناسخ الذي لا نهاية له ينتهى أو ينقطع بمنع النفس أن تولد ثانية ، ويتوصل إلى ذلك بتطهيرها حتى من رغبة الوجود . فهذه القواعد الأساسية للبوذية موجودة صريحا في أقدم تعليمها المدرج في

--> ( 1 ) أي تصيبني التسويلات والوساوس النفسانية وفى كلامه هذا نسخ لحكم الطبقات في الشريعة البرهمية القاضي بتفاوت الناس في التشرف بالسعادة الدينية وتحريم بعضهم كالنساء والصبيان منها .