السيد الطباطبائي

240

تفسير الميزان

من ذراريهم إلى يوم القيامة ، وهو يتضمن تقدير حياتهم الأرضية والاذن في نزولهم إليها واستقرارهم فيها وإيوائهم إياها . وقد قسم الله هؤلاء المأذون لهم قسمين فعبر عن إذنه لطائفة منهم بالسلام والبركات وهم نوح عليه السلام وأمم ممن معه ، ولطائفة أخرى بالتمتيع ، وعقب التمتيع بمس العذاب لهم كما كلمتي السلام والبركات لا تخلوان من بشرى الخير والسعادة بالنسبة إلى من تعلقتا به . فقد بان من ذلك أن الخطاب بالهبوط في هذه الآية مع ما يرتبط به من سلام وبركات وتمتيع موجه إلى عامة البشر من حين هبوط أصحاب السفينة إلى يوم القيامة ، ووزانه وزان خطاب الهبوط الموجه إلى آدم وزوجته عليهما السلام ، وفي هذا الخطاب إذن في الحياة الأرضية ووعد لمن أطاع الله سبحانه ووعيد لمن عصاه كما أن في ذلك الخطاب ذلك طابق النعل بالنعل . وظهر بذلك أن المراد بقوله : ( وعلى أمم ممن معك ) الأمم الصالحون من أصحاب السفينة ومن سيظهر من نسلهم من الصالحين ، والظاهر على هذا أن يكون ( من ) في قوله ( ممن معك ) ابتدائية لا بيانية ، والمعنى وعلى أمم يبتدى تكونهم ممن معك ، وهم أصحاب السفينة والصالحون من نسلهم . وظاهر هذا المعنى أن يكون أصحاب السفينة كلهم سعداء ناجين ، والاعتبار يساعد ذلك فإنهم قد محصوا بالبلاء تمحيصا وآثروا ما عند الله من زلفى وقد صدق الله سبحانه إيمانهم مرتين في أثناء القصة حيث قال عز من قائل : ( إلا من قد آمن ) آية : 36 من السورة ، وقال : ( ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ) آية : 40 من السورة . وقوله : ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) كأنه مبتدء لخبر محذوف والتقدير : وممن معك أمم أو وهناك أمم سنمتعهم الخ ، وقد أخرجهم الله سبحانه من زمرة المخاطبين بخطاب الاذن فلم يقل : ومتاع لأمم آخرين سيعذبون طردا لهم من موقف الكرامة ، فأخبر أن هناك أمما آخرين سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة إذن كرامة وزلفى . وفي الآية جهات من تعظيم القائل لا تخفى كالبناء للمفعول في ( قيل ) وتخصيص نوح