السيد الطباطبائي

15

تفسير الميزان

وسكن بسببها عن طلب الآخرة ، وهو المراد بقوله : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) . ومن هنا يظهر أن الوصف الثاني أعني قوله : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) من لوازم الوصف الأول أعني قوله : ( لا يرجون لقاءنا ) وهو بمنزلة المفسر بالنسبة إليه ، وأن الباء في قوله : ( اطمأنوا بها ) للسببية أي سكنوا بسببها عن طلب اللقاء وهو الآخرة . وقوله : ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) في محل التفسير لما تقدمه من الوصف لمكان ما بينهما من التلازم فان نسيان الآخرة وذكر الدنيا لا ينفك عن الغفلة عن آيات الله . والآية قريبة المضمون من قوله تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) الآية النجم : 30 حيث دل على أن الاعراض عن ذكر الله وهو الغفلة عن آياته يوجب قصر علم الانسان في الحياة الدنيا وشؤونها فلا يريد إلا الحياة الدنيا وهو الضلال عن سبيل الله ، وقد عرف هذا الضلال بنسيان يوم الحساب في قوله : ( إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) ص - 26 . فقد تبين أن إنكار اللقاء ونسيان يوم الحساب يوجب رضى الانسان بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها من الآخرة وقصر العلم عليه وانحصار الطلب فيه ، وإذ كان المدار على حقيقة الذكر والطلب لم يكن فرق بين انكاره والرضى بالحياة الدنيا قولا وفعلا أو فعلا مع القول الخالي به . وتبين أيضا ان الاعتقاد بالمعاد أحد الأصول التي يتقوم بها الدين إذ بسقوطه يسقط الأمر والنهي والوعد والوعيد والنبوة والوحي وهو بطلان الدين الإلهي من رأس . وقوله : ( أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) بيان لجزائهم بالنار الخالدة قبال أعمالهم التي كسبوها .