السيد الطباطبائي
115
تفسير الميزان
وأما قوله : ( وبشر المؤمنين ) فالسياق يدل على أن المراد به البشارة بإجابة ما سألوه في دعائهم المذكور آنفا : ( ربنا لا تجعلنا فتنة ) إلى آخر الآيتين . والمعنى : وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما مساكن من البيوت في مصر - وكأنهم لم يكونوا إلى ذاك الحين إلا كهيئة البدويين يعيشون في الفساطيط أو عيشة تشبهها - واجعلا أنتما وقومكما بيوتكم متقابلة وفي جهة واحدة يتصل بذلك بعضكم ببعض ويتمشى أمر التبليغ والمشاورة والاجتماع في الصلوات ، وأقيموا الصلاة وبشر يا موسى أنت المؤمنين بأن الله سينجيهم من فرعون وقومه . قوله تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالا ) الخ ، الزينة بناء نوع من الزين وهى الهيئة التي تجذب النفس إلى الشئ ، والنسبة بين الزينة والمال العموم من وجه فبعض الزينة ليس بمال يبذل بإزائه الثمن كحسن الوجه واعتدال القامة ، وبعض المال ليس بزينة كالانعام والأراضي ، وبعض المال زينة كالحلي والتقابل الواقع بين الزينة والمال يعطى أن يكون المراد بالزينة جهة الزينة من غير نظر إلى المالية كالحلي والرياش والأثاث والأبنية الفاخرة وغيرها . وقوله : ( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) قيل اللام للعاقبة ، والمعنى وعاقبة أمرهم أنهم يضلون عن سبيلك ، ولا يجوز أن يكون لام الغرض لأنا قد علمنا بالأدلة الواضحة أن الله سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلال ولا يريد أيضا منهم الضلال ، وكذلك لا يؤتيهم المال ليضلوا . انتهى . وهو حق لكن في الاضلال الابتدائي المستحيل عليه تعالى ، وأما الاضلال بعنوان المجازاة ومقابلة السوء بالسوء فلا دليل على امتناعه على الله سبحانه بل يثبته كلامه في موارد كثيرة ، وقد كان فرعون وملؤه مصرين على الاستكبار والافساد ملحين على الاجرام فلا مانع من أن يؤتيهم الله بذلك زينة وأموالا ليضلوا عن سبيله جزاء بما كسبوا . وربما قيل : إن اللام في ( ليضلوا ) للدعاء ، وربما قيل : إن الكلام بتقدير لا أي لئلا يضلوا عن سبيلك ، والسياق لا يساعد على شئ من الوجهين .