السيد الطباطبائي

109

تفسير الميزان

الحق قالوا وأكدوا القول : إن هذا - يشيرون إلى الحق من الآية - لسحر مبين واضح كونه سحرا ، وانما سمى الآية حقا قبال تسميتهم إياها سحرا . قوله تعالى : ( قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ) الخ ، أي فلما سمع مقالتهم تلك ورميهم الحق بأنه سحر مبين قال لهم منكرا لقولهم في صورة الاستفهام : ( أتقولون للحق لما جاءكم ) إنه لسحر ؟ ثم كرر الانكار مستفهما بقوله : ( أسحر هذا ) ؟ فمقول القول في الجملة الاستفهامية محذوف إيجازا لدلالة الاستفهام الثاني عليه ، وقوله : ( ولا يفلح الساحرون ) يمكن أن يكون جملة حالية معللة للانكار الذي يدل عليه قوله : ( أسحر هذا ) ، ويمكن أن يكون إخبارا مستقلا بيانا للواقع يبرئ به نفسه من أن يقترف السحر لأنه يرى لنفسه الفلاح وللساحرين أنهم لا يفلحون . قوله تعالى : ( قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ) الخ ، اللفت هو الصرف عن الشئ ، والمعنى : قال فرعون وملاه لموسى معاتبين له : ( أجئتنا لتلفتنا ) وتصرفنا ( عما وجدنا عليه آباءنا ) يريدون سنة قدمائهم وطريقتهم ويكون لكما الكبرياء في الأرض يعنون الرئاسة والحكومة وانبساط القدرة ونفوذ الإرادة يؤمون بذلك انكما اتخذتما الدعوة الدينية وسيلة إلى إبطال طريقتنا المستقرة في الأرض ، ووضع طريقة جديدة أنتما واضعان مبتكران لها موضعها تحوزان بإجرائها في الناس وإيماننا بكما وطاعتنا لكما الكبرياء والعظمة في المملكة . وبعبارة أخرى إنما جئتما لتبدلا الدولة الفرعونية المتعرقة في القبط إلى دولة إسرائيلية تدار بإمامتكما وقيادتكما ، وما نحن لكما بمؤمنين حتى تنالا بذلك أمنيتكما وتبلغا غايتكما من هذه الدعوة المزورة . قوله تعالى : ( وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم ) كان يأمر به ملاه فيعارض بسحر السحرة معجزة موسى كما فصل في سائر الآيات القاصة للقصة وتدل عليه الآيات التالية . قوله تعالى : ( فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ) الخ ، أي لما جاءوا وواجهوا موسى وتهيؤوا لمعارضته قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقوه من الحبال