السيد الطباطبائي

10

تفسير الميزان

سماواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على عرش قدرته وقام مقام التدبير الذي إليه ينتهى كل تدبير وإدارة فشرع يدبر أمر العالم ، وإذا انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين أو الاعتضاد بأعضاد لم يكن لشئ من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلا من بعد إذنه تعالى فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه ، ومن دونه من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه . وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر امركم لا غيره مما اتخذتموها أربابا من دون الله وشفعاء عنده ، وهو المراد بقوله : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ) أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به أن الله هو ربكم لا رب غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير . وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والاذن وغير ذلك في ذيل قوله : ( إن ربكم الله ) الأعراف : 54 في الجزء الثامن من الكتاب . قوله تعالى : ( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا ) تذكير بالمعاد بعد التذكير بالمبدء ، وقوله : ( وعد الله حقا ) من قيام المفعول المطلق مقام فعله ، والمعنى : وعده الله وعدا حقا . والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى بالمعاد حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلا برجوع الأشياء - ومن جملتها الانسان - إليه تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد بحركته السقوط على الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلا بالاقتراب التدريجي من الأرض والسقوط والاستقرار عليها ، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى تلاقيه ، قال تعالى : ( يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) الانشقاق : 6 فافهم ذلك . قوله تعالى : ( إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) الخ تأكيد لقوله : ( إليه مرجعكم جميعا ) وتفصيل لاجمال ما يتضمنه من معنى الرجوع والمعاد . ويمكن أن يكون في مقام التعليل لما تقدمه من قوله : ( إليه مرجعكم ) الخ