السيد الطباطبائي

51

تفسير الميزان

يثبت في عالم الطبيعة نظام التحول والتكامل ، فكل جزء من أجزاء عالم الطبيعة واقع في مسير الحركة متوجه إلى الكمال ، فما من شئ إلا وهو في الآن الثاني من وجوده غيره وهو في الآن الأول من وجوده ، ولا شك ان الفكر والادراك من خواص الدماغ فهي خاصة مادية لمركب مادي ، فهي لا محالة واقعة تحت قانون التحول والتكامل ، فهذه الادراكات ( ومنها الادراك المسمى بالعلم ) واقعة في التغير والتحول فلا معنى لوجود علم ثابت باق وانما هو نسبي ، فبعض التصديقات أدوم بقاء وأطول عمرا أو أخفى نقيضا ونقضا من بعض آخر وهو المسمى بالعلم فيما وجد . والجواب عنه : أن الحجة مبنية على كون العلم ماديا غير مجرد في وجوده وليس ذلك بينا ولا مبينا بل الحق ان العلم ليس بمادي البتة ، وذلك لعدم انطباق صفات المادة وخواصها عليه . ( 1 ) فان الماديات مشتركة في قبول الانقسام وليس يقبل العلم بما أنه علم الانقسام البتة . ( 2 ) والماديات مكانية زمانية والعلم بما أنه علم لا يقبل مكانا ولا زمانا ، والدليل عليه إمكان تعقل الحادثة الجزئية الواقعة في مكان معين وزمان معين في كل مكان وكل زمان مع حفظ العينية . ( 3 ) والماديات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العمومية فالتغير خاصة عمومية فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغير ، فان حيثية العلم بالذات تنافي حيثية التغير والتبدل وهو ظاهر عند المتأمل . ( 4 ) ولو كان العلم مما يتغير بحسب ذاته كالماديات لم يمكن تعقل شئ واحد ولا حادثة واحدة فوقتين مختلفين معا ولا تذكر شئ أو حادثة سابقة في زمان لاحق ، فان الشئ المتغير وهو في الآن الثاني غيره في الآن الأول ، فهذه الوجوه ونظائرها دالة على أن العلم بما أنه علم ليس بمادي البتة ، وأما ما يحصل في العضو الحساس أو الدماغ من تحقق عمل طبيعي فليس بحثنا فيه أصلا ولا دليل على أنه هو العلم ، ومجرد تحقق عمل عند تحقق أمر من الأمور لا يدل على كونهما أمرا واحدا ، والزائد على هذا المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محل آخر .