السيد الطباطبائي

46

تفسير الميزان

الذي أشير إليه بقوله : ( والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك ) فالمراد بالايمان بالغيب في مقابل الايمان بالوحي والايقان بالآخرة ، هو الايمان بالله تعالى ليتم بذلك الايمان بالأصول الثلاثة للدين ، والقرآن يؤكد القول على عدم القصر على الحس فقط ويحرص على اتباع سليم العقل وخالص اللب . وقوله سبحانه : وبالآخرة هم يوقنون ، العدول في خصوص الاذعان بالآخرة عن الايمان إلى الايقان ، كأنه للإشارة إلى أن التقوى لا تتم إلا مع اليقين بالآخرة الذي لا يجامع نسيانها ، دون الايمان المجرد ، فان الانسان ربما يؤمن بشئ ويذهل عن بعض لوازمه فيأتي بما ينافيه ، لكنه إذا كان على علم وذكر من يوم يحاسب فيه على الخطير واليسير من أعماله لا يقتحم معه الموبقات ولا يحوم حوم محارم الله سبحانه البتة قال تعالى : ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) ص - 26 . فبين تعالى : ان الضلال عن سبيل الله انما هو بنسيان يوم الحساب ، فذكره واليقين به ينتج التقوى . وقوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم ، الهداية كلها من الله سبحانه ، لا ينسب إلى غيره البتة الا على نحو من المجاز كما سيأتي إن شاء الله ، ولما وصفهم الله سبحانه بالهداية وقد قال في نعتها : ( فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره ) : الانعام - 125 ، وشرح الصدر سعته وهذا الشرح ، يدفع عنه كل ضيق وشح ، وقد قال تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) الحشر - 9 ، عقب سبحانه ههنا أيضا قوله : أولئك على هدى من ربهم ، بقوله : وأولئك هم المفلحون الآية . ( بحث روائي ) في المعاني عن الصادق عليه السلام : في قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب ، قال : من آمن بقيام القائم عليه السلام انه حق . أقول : وهذا المعنى مروي في غير هذه الرواية وهو من الجرى .