السيد الطباطبائي
433
تفسير الميزان
قوله تعالى : فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، مبتدء خبره محذوف أي فعليه أن يتبع القاتل في مطالبة الدية بمصاحبة المعروف ، من الاتباع وعلى القاتل أن يؤدي الدية إلى أخيه ولي الدم بالاحسان من غير مماطلة فيها إيذائه . قوله تعالى : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، أي الحكم بانتقال القصاص إلى الدية تخفيف من ربكم فلا يتغير فليس لولي الدم أن يقتص بعد العفو فيكون اعتداء فمن اعتدى فاقتص بعد العفو فله عذاب أليم . قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب لعلكم تتقون ، إشارة إلى حكمة التشريع ، ودفع ما ربما يتوهم من تشريع العفو والدية وبيان المزية والمصلحة التي في العفو وهو نشر الرحمة وإيثار الرأفة ان العفو أقرب إلى مصلحة الناس ، وحاصله أن العفو ولو كان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة ، لكن المصلحة العامة قائمة بالقصاص فإن الحياة لا يضمنها إلا القصاص دون العفو والدية ولا كل شئ مما عداهما ، يحكم بذلك الانسان إذا كان ذا لب وقوله لعلكم تتقون ، أي القتل وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص . وقد ذكروا : أن الجملة أعني قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة الآية على اختصارها وإيجازها وقلة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات القرآن في بيانها ، وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه ، ورقة الدلالة وظهور المدلول ، وقد كان للبلغاء قبلها كلمات في القتل والقصاص تعجبهم بلاغتها وجزالة أسلوبها ونظمها كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع وقولهم : أكثروا القتل ليقل القتل ، وأعجب من الجميع عندهم قولهم : القتل أنفى للقتل غير أن الآية أنست الجميع ونفت الكل : ولكم في القصاص حياة فإن الآية أقل حروفا واسهل في التلفظ ، وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحياة ، وهي متضمن حقيقة المعنى المفيد للغاية فإن القصاص هو المؤدي إلى الحياة دون القتل فإن من القتل ما يقع عدوانا ليس يؤدي إلى الحياة ، وهي مشتملة على أشياء اخر غير